ظن العالم أن اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ» سقط حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الماضي انسحاب بلاده منه، ليُفاجأ بأنه عوضاً عن ذلك، اتخذ الاتفاق زخماً جديداً. فأمس، حسمت أوستراليا الموقف، وبتوقيعها تكون سيدني قد رفعت عدد الدول المصدّقة على الاتفاق إلى ستة من أصل إحدى عشرة، عدد الدول الموقعة التي أبرمته، ما يمهد لدخوله حيز التنفيذ. وقبل ساعات على انتهاء مهلة إدارية نهائية، أعلن رئيس الوزراء الأوسترالي سكوت موريسون، أن حكومته وقعت على الاتفاق، مضيفاً أن بلاده «هي سادس دولة تصدّق على الاتفاق، وهذا يعني أنه يمكن أن يدخل حيز التنفيذ في آخر الشهر المقبل».

وكانت الاتفاقية قد شهدت ولادة صعبة، وبدا أنها تتخبط عندما قرر ترامب سحب واشنطن منه. لكن اليابان قادت جهوداً دبلوماسية حثيثة على مدار أشهر من وراء الستار، ما أبقى على نسخة مخففة منها حية بين بقية الأعضاء. وحتى من دون مشاركة أكبر اقتصاد في العالم، فإن هذه الاتفاقية تُوصف بأنها «عنصر تغيير»، إذ تضم العديد من الاقتصادات السريعة النمو، وقد صُمِّمَت بطريقة تُحدث توازناً مع نهج الصين الذي يتبع مقاربة أن «القوة على حق» في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتلزم الاتفاقية الدول الأعضاء أيضاً بإطار قانوني أكثر صرامة للتجارة وخفض الرسوم الجمركية وفتح الأسواق، كما تدخل معايير جديدة للعمال وتجبر بعض الحكومات على إدخال المنافسة في قطاعات يهيمن عليها النافذون والمقربون من السياسيين. وسبق أن صدّقت كندا واليابان والمكسيك ونيوزيلندا وسنغافورة على الاتفاقية، أي أكثر من نصف الأعضاء المنضوين فيها. ويبقى الاتفاق الذي بات يعرف باسم «اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ»، من الاتفاقات الأكثر طموحاً في العالم حتى من دون مشاركة الولايات المتحدة فيه.
ومن المفارقة أن الاتفاق أقرّ بالأساس بمبادرة من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ووُقِّعَ في 2015 بعد مفاوضات استمرت سنوات. وكان يضم في ذلك الحين 12 بلداً مُطلاً على المحيط الهادئ، تمثل نحو 40% من الاقتصاد العالمي، وهي الولايات المتحدة وأوستراليا وكندا واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا والبيرو وسنغافورة وفييتنام وتشيلي وبروناي. لكن ترامب جعل من الانسحاب من هذا الاتفاق أحد أبرز وعود حملته الانتخابية، ووفى بوعده فور تنصيبه، مندداً باتفاق «فظيع وينتهك» مصالح الأميركيين على حد تعبيره.

ماذا عن الصين؟
كان الهدف الأساسي من اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ» التصدي للتوسع الصيني ومنع بكين من إملاء قواعدها التجارية. وتعمل بكين على إقرار مشروعها الإقليمي الخاص الضخم، وهو «الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية»، الجاري التفاوض بشأنها حالياً. ومن المفترض أن يضم هذا الاتفاق البلدان العشرة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وشركاءها في المنطقة (اليابان وأوستراليا والهند وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا)، وهو يستثني الولايات المتحدة.