حتى مساء أمس، كانت المعلومات المتوافرة تتحدث عن اعتقال الشرطة نحو 27 أكاديميا ومحاضرا، في عمليات مداهمة لمنازلهم جرت معظمها فجراً، بحسب وكالة «دوغان» للأنباء. فتشت الشرطة كذلك منازل لعدد آخر من الأكاديميين، 3 منهم في محافظة «بولو» الشمالية الغربية، بحسب الوكالة نفسها.
وجاءت حملة الاعتقالات بعدما باشر الادعاء يوم أول من أمس تحقيقا واسعا بحق نحو 1200 أكاديمي من 90 جامعة تركية، متهماً إياهم بنشر «دعاية ارهابية» و «التحريض على الكراهية والعداوة»، وذلك بتوقيعهم عريضة حملت عنوان، «لن نكون شركاء في الجريمة»، دعت أنقرة إلى وقف « مجزرتها المتعمدة وترحيل الاكراد وغيرهم من السكان» من جنوب شرق البلاد؛ وأضافت العريضة أن «الحق في الحياة والحرية والأمان، وبخاصة (الحق في) مناهضة التعذيب وضروب المعاملة القاسية، التي يحميها الدستور والأعراف الدولية، قد انتُهكت». ووقّع العريضة أيضاً أكاديميون أجانب بارزون، منهم نعوم تشومسكي وإيمانويل فالرشتاين وسلافوي جيجيك.
ولم تتوانَ إدارات الجامعات التركية عن المشاركة في حملة القمع والترهيب السلطوية، ففتحت أمس تحقيقا مع 20 أكاديميا في جامعة مرسين، و4 آخرين في مدينة غازي عنتاب، ملوحة باتخاذ إجراءات قاسية بحقهم، قد تصل إلى الطرد. ويوم أول من أمس، أقدمت بالفعل جامعة «دوزجي»، شمال غرب البلاد، على طرد أستاذة مساعدة في العلوم الاجتماعية، بسبب توقيعها العريضة، بحسب ما أورد الاعلام التركي. ونشرت صحيفة «راديكال» التركية أمس صوراً لصلبان حمراء رُسمت على بابي مكتبي اثنين من الأكاديميين الذين وقعوا العريضة، مرفقة بعبارات تهديد.

تطوع أكثر من 2000 محام لتوفير دعم قانوني للأكاديميين المعتقلين

وصعّد أردوغان أمس، بعد أدائه الصلاة في جامع السلطان أحمد في اسطنبول، من هجومه على موقّعي العريضة، ناعتاً إياهم بـ«الشركاء في جرائم (حزب العمال الكردستاني)»، وذلك بـ«وقوفهم مع منفذي المجازر». وقال أردوغان إن «على شعبنا أن يفهم حقيقة الناس... فالحصول على الدكتوراه لا يجعل منك بالضرورة مفكرا؛ هؤلاء لا يفقهون شيئاً، إنهم فظون ومقززون»!
وكانت صحيفة «حرييت» التركية قد نقلت عن أردوغان قوله، يوم الثلاثاء الماضي، إن الأكاديميين الذين وقّعوا العريضة، وعددهم يفوق الألف، هم «ظلاميون» و«جهلة»، وإن «الانتهاكات لحقوق الإنسان» في جنوب شرق البلاد لا ترتكبها الدولة، بل «الإرهابيون»، في إشارة إلى عناصر ومناصري حزب العمال الكردستاني. وكان طريفاً انتقاد أردوغان لدعوة الأكاديميين إلى أن يحضر مراقبون أجانب إلى الجنوب الشرقي لمراقبة التطورات هناك، قائلاً إن الدعوة تعبّر عن «عقلية الكولونيالية»، برغم أن الرئيس التركي يتصرّف كسلطان عثماني، فيشير على الرئيس السوري مثلاً بـ«الرحيل»، ليصلّي هو بعدها في الجامع الأموي في دمشق.
وتواجه أنقرة عاصفة انتقادات لتصاعد سلوكها القمعي والترهيبي. وفي هذا السياق، دان حزب الشعوب الديموقراطي في تركيا «الخطوات التي قامت بها الحكومة، والتي تُدخل تركيا في ظلام دامس». ورأى الحزب في بيانه أن «العمليات (العسكرية والأمنية التي تشنها أنقرة، وحملات قمع المعارضين في الداخل) لا نراها سوى في أنظمة غير ديمقراطية، وهي خطيرة وغير مقبولة».
ووصف أمس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، الاعتقالات بحق الأكاديميين بأنها «غير قانونية على الإطلاق وغير مقبولة وخطيرة جداً»، وذلك في بيان تعهد فيه «الاستمرار في تقديم الدعم والوقوف إلى جانب جميع مواطنينا الذين يودون ممارسة حرية التعبير، من دون الدعوة إلى العنف». ووقع أكثر من 2000 محام وثيقة نشروها على الانترنت، تعهدوا فيها توفير دعم قانوني مجاني للأكاديميين المعتقلين. وقال أستاذ قانون، طلب عدم نشر اسمه، إن «الإعلان لا يدعو للكراهية ولا يشيد بها، ولا يدعو أيضا لارتكاب جرائم».
وغالبا ما يأتي تقييم تركيا سيئا في الدراسات المتعلقة بحرية الرأي وحرية الصحافة، وهي تتعرض لذلك باستمرار لانتقادات شديدة، حتى من جانب الدول الغربية الشريكة لها في حلف شمال الأطلسي. وفي هذا السياق، «غرّد» أمس السفير الأميركي، جون باس، في حساب «تويتر» الخاص بالسفارة الأميركية في أنقرة، قائلاً إنه «في الوقت الذي قد لا نتفق فيه بالرأي مع هؤلاء الأكاديميين، غير أننا قلقون من أن يكون لهذا الضغط تأثير سلبي على التخاطب السياسي المشروع»، مضيفاً أن «التعبير عن القلق حيال العنف ليس مساوياً لدعم الإرهاب، وانتقاد الحكومة لا يساوي الخيانة... في المجتمعات الديمقراطية، يجب أن يكون للمواطنين فرصة التعبير عن آرائهم، حتى لو كانت مثيرة للجدل». وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي قد أعربا عن «قلقهما» بشأن زج الصحافيين المعارضين في السجون، وأبرزهم رئيس تحرير صحيفة «جمهوريت»، جان دوندار، ومدير مكتب الصحيفة في أنقرة، ارديم غول، لنشرهما مقالات وشريط فيديو يظهر نقل الاستخبارات التركية لأسلحة إلى متمردين إسلاميين في سوريا، وذلك في شاحنات، تحت غطاء تأمين الدواء.
ولكن، وفي الوقت نفسه، أشاد أمس ستيف وارن، المتحدث باسم «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن، بقصف تركيا ما ادعت أنه مواقع لتنظيم داعش في سوريا والعراق، مؤكدا العمل على زيادة التنسيق مع أنقرة. وكان رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، قد قال أول من أمس إن قواته، وبتعليمات منه، «قصفت خلال الـ 48 الساعة الماضية مواقع لتنظيم داعش في العراق وسوريا»، وأن القصف «قضى على نحو 200 من عناصر التنظيم».
كما دان المتحدث باسم الخارجية الأميركية، جون كيربي، التفجير «الإرهابي» الذي نفذه فجر أول من أمس حزب العمال الكردستاني في مدينة دياربكر، جنوب شرق البلاد، مشيراً إلى أن «تركيا بلد صديق لنا وعضو في حلف شمال الأطلسي، وسنواصل الوقوف إلى جانبها في مواجهة التهديدات الإرهابية الجدية على أراضيها».

(الأخبار، أ ف ب، الأناضول، رويترز)