بعد محادثات استمرت أكثر من عام، نجحت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، في التوصل إلى مسودة اتفاق ينظم عملية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ودافعت ماي عن مشروع الاتفاق الذي توصل إليه المفاوضون البريطانيون والأوروبيون أول من أمس، قبل أن تحاول كسب تأييد حكومتها المنقسمة. وفي أحد أهم الأيام في مسيرتها السياسية وفيما مصير حكومتها على المحك، قالت ماي بحزم خلال جلسة عاصفة للبرلمان أمس، إنها ضمنت «أفضل اتفاق ممكن لبريطانيا»، مضيفة أن «ما تفاوضنا في شأنه هو اتفاق يحترم تصويت الشعب البريطاني، ويحترم نتائج استفتاء 2016».

وأشارت رئيسة الوزراء إلى أن حكومتها لن تنظم أبداً تصويتاً عاماً ثانياً على الأمر. وتابعت: «الاتفاق يحمي الوظائف ويحمي سلامة المملكة المتحدة ويحمي أمن الشعب في هذا البلد»، على وقع صيحات استهجان، وذلك عقب موجة من الانتقادات من متشددين داخل حزبها المحافظ قالوا إن الاتفاق يتضمن تنازلات غير مقبولة. ودافعت ماي عن مشروع الاتفاق أمام النواب قائلة إنه «سيضمن نهاية للهجرة غير المحدودة من الاتحاد الأوروبي وسيسمح لبريطانيا بوضع سياساتها التجارية الخاصة بها»، مشيرة إلى أن الاتفاق يتضمن خطة احتياطية لتجنب إقامة حدود فعلية في إيرلندا، لكنها أضافت أن ذلك سيكون «سياسة ضمان» مؤقتة في حال عدم الاتفاق على علاقة مستقبلية. وقالت: «نريد التوصل إلى العلاقة المستقبلية في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2020».
لكن زعيم حزب «العمال» المعارض جيرمي كوربن، قال إن الاتفاق «ينتهك الخطوط الحمر لرئيسة الوزراء»، مضيفاً أن المفاوضات مع بروكسيل كانت «مخزية». وأضاف أن «هذه الحكومة أمضت سنتين في التفاوض على اتفاق سيء سيترك البلاد بين خروج ولا خروج إلى ما لا نهاية». كما أن النائب المحافظ بيتر بون، المؤيد لـ«بريكست»، انتقد رئيسة الوزراء، قائلاً: «أنتِ لا تحترمين ما صوت عليه مؤيدو بريكست، واليوم ستخسرين دعم العديد من النواب المحافظين وملايين الناخبين».

وصف قسم من المحافظين الاتفاق بأنه يتضمن «تنازلات غير مقبولة»


ويتعيّن أن يصادق البرلمانان البريطاني والأوروبي على مشروع الاتفاق قبل موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المرتقب في 29 آذار/ مارس 2019. يُذكر أنه بالتوصل إلى هذا الاتفاق، تكون صفحة مفاوضات معقدة ومريرة قد طويت، بعد أن استمرت عاماً ونصف عام بهدف إنهاء عضوية استمرت نحو 46 عاماً لبريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مصادر أوروبية في بروكسيل أنه إذا حصلت ماي على دعم حكومتها فإن اجتماع سفراء الاتحاد الأوروبي المتزامن يمكن أن يليه اجتماع ثانٍ الجمعة، واجتماع تحضيري لقمة يعقده وزراء الاتحاد الأوروبي الاثنين المقبل. لكن العديد من الديبلوماسيين عبّروا عن حذرهم، وقال أحدهم إن «يوم الاثنين يبدو مهلة قصيرة جداً». الجدير بالذكر أن الفشل قد يرجئ التسوية النهائية إلى حين قمة رسمية في بروكسيل منتصف كانون الأول/ ديسمبر، ما يترك وقتاً قصيراً لرئيسة الوزراء لضمان المصادقة على الاتفاق والتشريعات المرافقة في البرلمان.
وتعثرت المفاوضات لأشهر في شأن تجنّب نقاط حدودية بين مقاطعة إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي، في حال توصلت لندن إلى اتفاق تجارة جديدة مع بروكسيل. ويتضمن الاتفاق، وفقاً لتقارير، آلية مراجعة يمكن لبريطانيا أن تستخدمها للانسحاب من شبكة الأمان، وهو مطلب أساسي للمحافظين المشككين بمؤسسات الاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، حذّر زعيم حزب «المحافظين» السابق وليام هيغ مؤيدي «بريكست» من أنهم يمكن أن «ينسفوا العملية برمتها في حال لم يدعموا خطة ماي». وقال في تصريحات أمس، إنه «إذا صوتوا ضد اتفاق لأنهم غير مسرورين بالتفاصيل، فإن العواقب قد تكون عدم تحقق بريكست على الإطلاق». وعنونت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية على غلافها: «يوم الحساب»، وحضت قراءها على منح الاتفاق «فرصة عادلة».