يوماً بعد آخر، تتصاعد الأزمة الروسية ـــ الأوكرانية، آخر فصولها استنجاد الرئيس الأوكراني، بترو بوروشنكو، بحلف «شمال الأطلسي» (الناتو) لمواجهة موسكو. بوروشنكو الذي أمل أن تكون دول «الناتو» جاهزة لإرسال سفن حربية إلى بحر آزوف، حيث وقعت الحادثة الأحد الماضي، لضمان الأمن هناك، اعتبر أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لا يريد شيئاً سوى «عودة الإمبرطورية الروسية القديمة، واحتلال أوكرانيا بأكملها». من جهة ثانية، أعلن بوروشنكو أنه سيفرض قيوداً على المواطنين الروس الموجودين في أراضي أوكرانيا.

وسرعان ما خيّب الاتحاد الأوروبي أمل بوروشنكو، إذ أصدر بياناً وُصف بـ«الخجول»، بيّن خلاله أنه لا يعتزم اتخاذ إجراءاتٍ عقابية للردّ على العملية الروسية. وزيرة خارجيّة الاتحاد فيديريكا موغيريني، وبعد ثلاثة أيّام من المناقشات، اكتفت ببيان «استياء» حيال «هذا الاستخدام للقوّة من جانب روسيا»، مضيفة أن هذا أمر «غير مقبول في سياق عسكرة متزايدة في المنطقة». وطالبت موغيريني بضمان «مرور حر، وبلا عوائق، عبر كيرتش من بحر آزوف وإليه، وفقاً للقانون الدولي». في السياق، أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن صعوبات كبيرة واجهت ممثلي الدول الأوروبية عند صياغة هذا البيان المشترك، ما «يظهر عمق الخلافات الجدّية بين تلك الدول». في الأثناء، نقلت صحيفة «ويلت» الألمانية، عن مصدر دبلوماسي، أن برلين وباريس عارضتا تشديد العقوبات على روسيا على خلفية ما حدث في مضيق كيرتش. ووفق المصدر، فإن «معارضة دول أوروبية تشديد العقوبات لا تعني رفضها بشكل عام استخدام العقوبات ضد موسكو». من جهته، رأى الكرملن أن طلب الرئيس الأوكراني تدخل «الناتو» في أزمته مع روسيا «يزيد التوترات في المنطقة». في المقابل، اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن «لا حل عسكرياً في أوكرانيا»، ودعت كييف إلى «ضبط النفس». وقالت خلال منتدى اقتصادي ألماني ـــ أوكراني: «نطلب أيضاً من الجانب الأوكراني التحلي بالمنطق، لأنه لا يمكننا حل الأمور إلّا عبر البقاء متعقّلين، وعبر التحاور. لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري لهذه المواجهات»، وحاولت المستشارة تهدئة اندفاعة أوكرانيا بالتعقل وإظهار«مقاربة ذكية». وكان الرئيس الروسي قد طلب الثلاثاء الماضي من ميركل إقناع كييف بعدم القيام بأي عمل «متهور»، وعبّر في مكالمة هاتفية معها عن «قلق بالغ بسبب قرار كييف فرض قانون الطوارئ»، وأمل أن «تتمكن برلين من التأثير على السلطات الأوكرانية وإقناعها بعدم القيام بمزيد من الأعمال المتهورة».

ميركل: لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري لهذه المواجهات


هذا الخجل الأوروبي قوبل بحزم أكبر من واشنطن تجاه موسكو، إذ أعلن وزير دفاعها، جايمس ماتيس، أن «مصادرة روسيا ثلاث سفن أوكرانية مثّلت انتهاكاً للمعاهدة الدولية»، مضيفاً أنه «عندما تفكر في أن هناك معاهدة بين البلدين تمنع ما حدث، فذلك يظهر أنه لا يمكن الاعتماد على روسيا والوثوق بها». إلّا أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ذهب أبعد من وزير دفاعه، وأعلن إلغاء القمة التي كانت مقررة مع نظيره الروسي غداً، على هامش «قمة العشرين» في الأرجنتين، معلّلاً قراره بـ«توقيف خفر السواحل الروس مجموعة من البحارة الأوكرانيين». ومن على منصته المفضّلة «تويتر»، غرّد ترامب قائلاً: «استناداً إلى واقع أنّ السفن والبحارة لم يعودوا إلى أوكرانيا من روسيا، فقد قرّرت أنّه سيكون من الأفضل لكل الأطراف المعنيين أن ألغي اجتماعي الذي كان مقرّراً سابقاً في الأرجنتين مع الرئيس فلاديمير بوتين. أنا أتطلّع إلى قمّة مفيدة مجدداً حين يتم حل هذا الوضع!». وجاء هذا الخبر بعد أقل من ساعة من تصريحات أدلى بها ترامب للصحافيين قبيل سفره، رجّح فيها عقد لقائه مع نظيره الروسي على هامش القمة المرتقبة في بوينس آيرس.
في المقابل، قال السكرتير الصحافي للرئيس الروسي، ديميتري بيسكوف، إن «الكرملين لم يتلقَّ معلومات رسمية من واشنطن حول إلغاء الرئيس الأميركي لقاءه مع الرئيس الروسي على هامش القمة». وأضاف أنه «نحن ذاهبون إلى الأرجنتين. رأينا التغريدة، وليس لدينا معلومات رسمية. وإن كان الوضع كذلك، فإن الرئيس الروسي سيكون لديه بضع ساعات لإجراء لقاءات مفيدة على هامش القمة». إلى ذلك، كشف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أنه ناقش في مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي إمكانية قيام أنقرة بدور الوساطة بين موسكو وكييف في تسوية الحادث في مضيق كيرتش. وتحادث أردوغان هاتفياً ليل الأربعاء حول هذا الموضوع مع قادة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. وقال إنه سيواصل «مناقشة هذه القضية خلال المحادثات مع بوتين وترامب على هامش قمة مجموعة العشرين».