تصعّد أوكرانيا الموقف تدريجياً ضد موسكو، على خلفية حادثة مضيق كيرتش الواصل بحر آزوف بالبحر الأسود، بين خفر السواحل الروسي وثلاث سفن تابعة للبحرية الأوكرانية. هذا التصعيد كان انطلق من فرض كييف حالة الطوارئ في بعض المدن الحدودية مع روسيا، مروراً بالتصريحات العدائية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وصولاً إلى استنجادها بدول حلف «شمال الأطلسي» (الناتو) وطلبها إرسال سُفن حربية إلى بحر آزوف للمساندة. وأمس، منعت السلطات الأوكرانية دخول الرجال الروس ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و60 عاماً، وذلك بعد إجراء القوات المسلحة الأوكرانية تدريبات تكتيكية ليل الخميس، بالقرب من ساحل آزوف، في حين أعلن «الناتو»، أمس، أن سفنه الحربية تقوم بمناورات ودوريات «روتينية» في مياه البحر الأسود. وعلى رغم أن الاتحاد الأوروبي و«الأطلسي»، لا سيما برلين وباريس، قد نصحوا كييف بالتعقّل، فإن الأخيرة لا تنفك تشدّد لهجتها تجاه الروس، الذين بدوا أكثر هدوءاً في التعامل مع الحادثة. فأمس أيضاً، أعلنت أوكرانيا عزمها على فسخ نحو 40 اتفاقية مع روسيا، وقال وزير الخارجية بافيل كليمكين، في حديثٍ متلفز، إنه «يتعين علينا أن نكون حذرين. سنقتل هذه الاتفاقيات من دون أن نلحق ضرراً بالمواطنين الأوكرانيين»، مؤكداً أن بلاده ستعيد النظر في كل الإطار القانوني الذي يحكم العلاقات الأوكرانية الروسية بأكملها، وكذلك الاتفاقيات التي تم توقيعها قبل عام 2014، لأنه «لم يبق لها معنى»، وفق تعبيره.

ورغم تعثّر لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، للمرة الثانية بعد الاحتفال بذكرى الحرب العالمية الأولى الذي أُقيم في باريس، وإعلان ترامب إلغاءه الاجتماع مع نظيره الروسي في الأرجنتين، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن المتحدث باسم الكرملن ديمتري بيسكوف قوله إن «الرئيسين سيلتقيان سريعاً من دون جدول أعمال مسبق». وهو ما يبقي بأي حال التصعيد الأميركي «تضامناً» مع كييف في أوجه.

تناقش ميركل مع بوتين قضية بحر آزوف على هامش قمة «العشرين»


بالعودة إلى البلدين الجارين، أعلنت موسكو، من جهتها، أن محاولات تشبّث الرئيس الأوكراني، بيترو بوروشينكو، بالسلطة تجر أوكرانيا إلى مغامرة قد تؤدي إلى تداعيات كارثية. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ماريا زاخاروفا: «نعتبر ما يحدث في أوكرانيا إشارة جديدة مثيرة للقلق على أن الوضع في البلد (أوكرانيا) يتطور نحو طريق المواجهة»، داعية الأمم المتحدة والمنظمات الأوروبية إلى «لفت نظرها إلى خطر استخدام السيناريو العسكري». وتابعت بالقول «ونحذر المرشدين الغربيين من الخطر العالي لمخطط بوروشينكو هذا الذي يجر بلاده إلى مغامرة جديدة قد تؤدي إلى تداعيات كارثية بالنسبة إلى أوكرانيا والأمن الأوروبي». وفي تعليقها على قرار الرئيس الأوكراني إعلان الأحكام العرفية، قالت زاخاروفا إنه «يحاول رفع شعبيته المتدنية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، عن طريق تنظيم استفزازات في البحر الأسود وفرض الأحكام العرفية». أما عن منع دخول رجال روس إلى الأراضي الأوكرانية، فندّدت موسكو بالقرار، لكنها قالت إنها لن تفرض قيوداً مشابهة على الأوكرانيين. وقالت المتحدثة إنه «إذا حاول أحد شرح ما يجري في كييف، فإنه سيؤدي إلى نوع من الجنون»، واصفة القرار بأنه جزء من «التوجه غير المدروس والجامح للقيادة الأوكرانية».
وعلى الرغم من بيان الاتحاد الأوروبي الذي صدر منذ يومين وأعلن عدم اعتزام اتخاذ إجراءاتٍ عقابية للردّ على العملية الروسية، وكذلك الأنباء عن عمق الخلاف والصعوبات الكبيرة التي واجهت ممثلي الدول الأوروبية عند صياغة البيان المشترك، فإن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، أعلن أمس أن الاتحاد سيمدد العقوبات الاقتصادية المفروضة بالفعل على روسيا الشهر المقبل. وخلال مؤتمر صحافي في الأرجنتين، حيث يجتمع زعماء «مجموعة العشرين»، لفت توسك إلى أن «أوروبا متحدة في دعمها لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها. ولهذا أنا على ثقة بأن الاتحاد الأوروبي سيمدد العقوبات ضد روسيا في ديسمبر». يُذكر أن توسك سيرأس قمة لقادة الاتحاد الأوروبي يومي 13 و14 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، ستمدد لعام آخر الإجراءات التي اتخذها التكتل ضد قطاعات الدفاع والطاقة والبنوك الروسية عقاباً لموسكو على دورها في الاضطرابات بأوكرانيا. ومن على متن رحلتها الجوية في طريقها لحضور قمة «العشرين»، قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إنه يجب على روسيا الإفراج عن السفن والبحارة الأوكرانيين، مؤكدة أن بلادها ستواصل الدفع باتجاه فرض «عقوبات مناسبة». أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورغم محاولتها تهدئة الأوضاع، فإنها رأت أن «الغرب يفرض عقوبات على روسيا دفاعاً عن القانون الدولي»، مشيرة إلى أنها ستناقش قضية بحر آزوف مع بوتين خلال القمة.