يبلغ «الاستفزاز» المُمارس من بطريركية القسطنطينية ضدّ بطريركية موسكو أوجّه اليوم، مع انعقاد مجمّع «توحيد الكنائس الأرثوذكسية الأوكرانية»، في كاتدرائية كييف، لإعلان فوز «الجناح الأميركي» في الصراع الأرثوذكسي، من خلال «انتخاب» رأس للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الجديدة. ومن المفترض، أن يُشارك في اجتماع «الانشقاقيين»، بطريرك القسطنطينية برثلماوس. يأتي ذلك، بعد أن كانت «القسطنطينية» قد أيّدت واعترفت، في 11 تشرين الأول الماضي، باستقلالية الكنيسة الأرثوذكسية وتفلّتها من سلطة الكنيسة الروسية. في المرّة الأولى، خالفت «القسطنطينية» القوانين اللاهوتية، حين اعتبرت أنّه من حقّها تقرير مصير الكنيسة الأوكرانية التي تقع تحت السلطة الكنسية الروسية. وحالياً، لا تُقيم «المسكونية» (القسطنطينية) للقوانين أي اعتبار، فتصرف النظر عن أنّ المجمع المُقدس (الهيئة العليا داخل الكنيسة التي تضم مطارنة وأساقفة ورؤساء الأديرة...) هو من يملك صلاحية انتخاب البطاركة لا تجمّع للكنائس.

يُريد البطريرك برثلماوس، من هذه الخطوات، تسديد ضربة للبطريرك كيريل (بطريركية موسكو)، وتثبيت نفسه «بابا» الأرثوذكس في العالم، من خلال إضعاف سلطة كنيسة روسيا، المدعومة من القيادة السياسية في موسكو. تأسيس كنيسة أرثوذكسية جديدة، وتعيين رأسٍ لها اليوم، لا يقتصر على الصراعات الكنسية الداخلية بل هو جزء من استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية لمحاصرة روسيا، وتهديد أمنها القومي. الكنيسة القسطنطينية، في هذا الخصوص وعلى رغم مصلحتها المباشرة في مواجهة «موسكو»، تتصرّف كـ«أداة» بيد واشنطن.
«اجتماع الانشقاقيين» اليوم في كييف، سيُقاطعه ممثلو بطريركية موسكو في أوكرانيا (تضمّ أكبر عدد من الأبرشيات، يتخطّى عددها الـ12 ألفاً). موقفٌ متوقع، ويترافق مع إرسال كيريل إلى رؤساء كنائس العالم، ومنظمة الأمم المتحدة، والأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ودولتَي فرنسا وألمانيا، رسائل، يُشير فيها إلى «انتهاك حقوق الأساقفة والكهنة وأبناء الرعية الأوكرانية الأرثوذكسية»، بحسب البيان الصادر أمس عن دائرة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو. تُحاول الأخيرة القيام بتحرّك مُضاد، لمواجهة الانشقاق الكنسي. وقد كشف كيريل في البيان عن «تحركات لسلطات الدولة في أوكرانيا، التي تتدخل في شؤون الكنيسة منذ فترة طويلة، وتُمارس الضغط الوحشي على الأساقفة والكهنة. وإجبارهم على المشاركة في مجمع التوحيد هو انتهاك للحقوق الدستورية والحريات العامة للمواطنين الأوكرانيين». يوجد ترجمة لبيان بطريركية موسكو على أرض الواقع في أوكرانيا. فالمواجهات لا تهدئ بين أتباع الكنيسة الروسية ومؤيدي الانفصال عن «موسكو»، والخطورة مُستقبلاً ستطاول أملاك الكنيستين. أحد الأمثلة على ذلك، هو توقيع الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو في 7 تشرين الثاني على قانون نقل كنيسة القديس أندرو في كييف إلى البطريركية القسطنطينية، ما أدّى إلى تعرّض الكنيسة لهجوم.

سيمنح برثلماوس، رئيس الكنيسة الأوكرانية الجديد كتاب الاعتراف باستقلاليتها


في 11 كانون الأول الجاري، وصل مطران «القسطنطينية» في فرنسا، المتروبوليت إيمانوئيل، إلى كييف من أجل التحضير لـ«مجمّع التوحيد». ويُعتبر إيمانوئيل، بحسب مصادر كنسية روسية، «سفير» أسقف البطريركية المسكونية المتروبوليت ألبيدوفوروس إلى الفاتيكان، من أجل إقناع الحبر الأعظم بتوجهات «القسطنطينية». الهدف من ذلك «تأمين غطاء» كنسي مُتعدّد الأجنحة، «يُشرّع» عمليات الفصل بين الكنائس الأرثوذكسية، ويزيد الخناق على بطريركية موسكو. وبالتزامن مع «لوبي» ألبيدوفوروس وإيمانوئيل، زار البطريرك برثلماوس في تشرين الثاني رومانيا، ثم انتقل إلى كوريا الجنوبية، «وذلك في إطار الجهود المُمارسة لتجميع هاتين الكنيستين، إضافةً إلى كنائس أوكرانيا وبلغاريا واليونان... تحت عباءته، فيُنصّب نفسه بابا عليهم» كما تقول المصادر الكنسية.
بعد اختيار رأسٍ للكنيسة الأوكرانية المُستحدثة، سيمنحه برثلماوس ليلة عيد الميلاد (لدى الطوائف المسيحية الشرقية) في 6 كانون الثاني، ما يُسمّى بالـ«Tomos»، وهو كتاب تمنحه كنيسة إلى كنيسة ثانية، للاعتراف باستقلاليتها. مرسوم الاعتراف الذي سيُعطى لكنيسة أوكرانيا، سبق أن سحبته «القسطنطينية» في 27 تشرين الثاني الماضي، من الكنيسة الروسية في أوروبا الغربية، غير التابعة لـ«موسكو». فمع الثورة الشيوعية في روسيا، هرب العديد من المؤمنين الروس إلى بلدان أوروبا الغربية، حيث أسسوا كنيسة مستقلة اعترفت بها «القسطنطينية» عام 1931، وعينّت على رأسها مطراناً. سُحب الـ«Tomos» من كنيسة أوروبا الغربية في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يُعيد برثلماوس العمل به في الـ1999، شرط أن تلتزم هذه الكنيسة بالقوانين المسكونية. في 27 تشرين الثاني، ألغى «الفانار» (مقرّ البطريركية المسكونية في تركيا) العمل بـ«Tomos 1999» لتُصبح الكنيسة الروسية في أوروبا الغربية تابعة مُباشرةً لـ«القسطنطينية». يُعدّ هذا الإجراء، من ضمن أهداف برثلماوس لتوسيع دائرة نفوذه، وتقوية جبهته ضدّ كنيسة موسكو.



«الأب أليكس»
مواجهة الكنيسة الروسية لا تقتصر فقط على رجال بطريركية القسطنطينية في المنطقة، بل تشمل آباءً داخل الولايات المتحدة الأميركية. يذكر مصدر كنسي روسي، الأب ألكسندر كارلوتسوس، والمعروف باسم «الأب أليكس»، الذي كان مُساعداً لثلاثة رؤساء أساقفة، ويشغل حالياً منصب مسؤول الشؤون العامة في أبرشية اليونان الأرثوذكسية في أميركا الشمالية. كما أنّه «المستشار التنفيذي» لصندوق الإيمان - Faith، «الذي يُعتبر واحداً من أدوات التأثير الأميركية في الشؤون اليونانية، ويضم أغنياء أميركيين - يونانيين». تُعرّف صحيفة «The National Herald» الإلكترونية (الناطقة باليونانية في أميركا الشمالية)، الأب أليكس بأنّه «حلقة الوصل بين رؤساء الكنائس والبيت الأبيض والكونغرس والحُكّام والمنظمات اليونانية - الأميركية وجماعات حقوق الإنسان». وهو كان أحد المُقررين الرئيسين في مجمع كريت عام 2016، الذي قاطعته الكنيسة الروسية، وقد اعتُبرت مُشاركته في المجمع «رغبة من الدوائر الأميركية في التأثير في شكل مُباشر على أعمال المجلس».