لندن | أشعلت رواية جديدة تروي تفاصيل موثقة عن حياة بينيتو موسوليني (1883 – 1945) زعيم التجربة الفاشية الإيطاليّة في النصف الأوّل من القرن العشرين أجواء الجدل السياسي في الجمهوريّة الإيطاليّة، وتسلّقت من دون منافس قمّة قائمة أكثر الكتب مبيعاً منذ بضعة أسابيع ولا تزال، في حين سارعت دور نشر عالميّة عدّة الى شراء حقوق نشرها بعدّة لغات وأيضاً لتحويلها إلى فيلم سينمائي. وعلى الرغم من أن الرواية، التي كتبها أستاذ جامعي إيطاليّ غير معروف خارج الدوائر الأكاديميّة، متخمة بمقاطع من نصوص تاريخيّة وثائقيّة الطابع ووصفها نقّاد كثيرون بأنها ضعيفة أدبياً وليست دقيقة في سرد الأحداث، إلا أنها تنجح في تسجيل الأجواء المضطربة التي كانت تعصف بالبلاد عشرينيات القرن الماضي وقت بداية صعود «الدوتشي» ومحاولاته الحثيثة لبعث إيطاليا من جديد إمبراطوريّةً تهيمن على إقليم البحر الأبيض المتوسط كلّه، وتستعيد أمجاد الرّومان القدماء. ولا شكّ أن كثيراً من القرّاء اقتنوا الرواية إعجاباً منهم بشخصيّة الزعيم الراحل، ولا سيّما في ظل أجواء عودة المزاج الفاشيّ إلى البلاد ومشاركة اليمين المتطرف للسلطة فيها. لكن ربما وهم يستكشفون تفاصيل حياة الزعيم لن يلقوا بالاً إلى حقيقة أنّ الرّواية الجديدة تسجل بأمانة الجهد الخارق الذي بذله «الدوتشي» أثناء توليه مناصب قياديّة في الدولة الإيطاليّة لتسوية الأوضاع الكارثيّة التي كانت تعيشها البيروقراطيّة الحكوميّة، وبخاصة لناحية تصحيح وضع الميزانيّة العامّة المصابة بعجز كلّي ودائم ومتوارث. موسولوني كان مدركاً تماماً لحقيقة أن بناء الإمبراطوريّات يحتاج وقبل كل شيء إلى استقلال اقتصادي لأن المتسولين بالطبع لا يمتلكون قرارهم السياسيّ، وعليهم دائماً أن يتقبلوا ما يطرحه عليهم المحسنون من دون نقاش.

هذه الحقيقة يبدو أنّها غائبة تماماً عن أذهان سياسيي التحالف الشعبوي الذي يحكم إيطاليا هذه الأيّام (حركة الخمس نجوم) وشريكه حزب الرّابطة اليميني المتطرف، إذ إن سياسة هذا التحالف الاقتصادية ــــ ورغم كل القرقعات القوميّة الصاخبة غير المعهودة منذ جمهوريّة 1946 ــــ متجه وبشكل متزايد نحو توريط ميزانيّة البلاد بمزيد من العجز والتزامات الإنفاق الزائد لإرضاء جمهور ناخبيهما دونما إظهار أي إحساس بالمسؤوليّة تجاه مهمة وضع إيطاليا على سكة الاستقرار الاقتصادي، الأمر الذي وصفه بعض المراقبين بأنه أشبه بقوميّة متسولين.

سلوك حكام روما المراوغ في ظلال «بريكست» يعكس قصر نظر استراتيجياً


هذا السلوك المتهور والذي على نحو ما يتحدى توجيهات الاتحاد الأوروبي الصارمة للدول الأعضاء بتقليص عجز ميزانياتها إلى أقل من 2.5% سنويّاً متأتّ من قناعة هؤلاء الساسة بأن المفوضيّة الأوروبيّة لن تسمح بسقوط دولة مهمّة مثل إيطاليا بسبب عجزها الماليّ فحسب، وأنها لا بدّ ستندفع في الوقت المناسب لإنعاش رجل أوروبا المريض وإمداده بالمساعدات. التحالف الحاكم في روما في رهانه هذا يغمض أعينه تماماً عن التجربة المذلّة التي عاشتها جارتهم اليونان في السنوات القليلة الماضية والتي انتهت بالدولة اليونانيّة مجرّد قشرة خارجيّة لمستعمرة مملوكة بالكامل من قبل الاتحاد الأوروبي (ألمانيا تحديداً)، وذلك من خلال الاستفادة من الزاوية الحرجة التي تجد بروكسل فيها نفسها بعد قرار بريطانيا التخلّي عن عضويتها في الاتحاد إثر استفتاء «بريكست» والإجراءات العمليّة التي تقوم بها لندن في هذا الاتجاه، سواء باتفاق مع المفوضيّة أو بغير اتفاق. فلا أحد عاقل في كل أوروبا اليوم يجد أن الوقت مناسب في هذه اللحظة لتأديب الإيطاليين، إذ إن ذلك قد يعني ببساطة احتمال خسارة دولة أخرى كبيرة ثانية بعد بريطانيا من سجل عضوية الاتحاد الأوروبيّ، الأمر الذي من المحتّم أنّه سيتسبب في تشجيع آخرين على القفز من السفينة وفرط «السبحة الزرقاء» بالكامل، وتلك مخاطرة لن تقدم برلين أو باريس ــــ وهما قوّة الاتحاد الدافعة ــــ على أخذها في ظلّ التحديات الداخليّة الصعبة التي تعيشها الأحزاب الليبراليّة الحاكمة فيهما، والتي أنهت عمليّاً إمكانية استمرار المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل في الحكم مستقبلاً، وتكاد تطيح إيمانويل ماكرون من سدّة الرئاسة الفرنسيّة في مدى قريب.
لا أحد يعلم بالتأكيد في ما إذا كان ساسة إيطاليا الجدد مدركين لخطورة تجاهلهم للمصاعب البنيوية التي تعانيها البلاد منذ عقدين أو أكثر، إذ إن سلوكهم المراوغ في ظلال «بريكست» يعكس قصر نظر استراتيجياً، وسعياً متهوّراً من تحالف متبجحين بعزّة قوميّة فارغة للتمسك بالسلطة من خلال تأجيل الأزمات عبر ضخ مزيد من الأموال التي لا يمتلكونها، ودائماً على حساب الأجيال المستقبليّة التي ستجد بعد فوات الوقت أنها ورثت جبالاً من الديون التي تترجم أساساً تنازلاً عن السّيادة لحكم الدائنين وخضوعاً لأهوائهم. فـ«بريكست» سينتهي بشكل أو بآخر خلال العام الحالي، وستبقى سياسات ميركل على ما هي لبعض الوقت حتى وإن خلفها سياسي صغير من أجوائها. كما أن صدام السّلطة الفرنسيّة مع فقراء البلاد سيحسم غالباً لمصلحة النخبة ذاتها، سواء بوجود ماكرون أو غيابه، وهذا يعني بالضرورة احتمال أن تستعيد بروكسل روح المبادرة مجدداً وتذيق الإيطاليين بعضاً من الشراب المرّ الذي سقته لليونانيين. فالمفوضيّة الأوروبيّة لا تتعاطى الأوهام التي يعتاش عليها الإيطاليون ويبررون من أجلها مصاعبهم الماليّة المتفاقمة، وهي لم تعد تجد في تحميل «اليورو» وزر عجز الميزانيات عذراً مقبولاً من روما، إذ إن عشرين عاماً كانت أكثر من كافية للقيام بإصلاحات اقتصاديّة منهجيّة لتجاوز أيّ آثار سلبيّة نشأت جراء تخلّي الجمهوريّة الإيطاليّة عن ليرتها والتحاقها بالعملة الأوروبيّة الموحدة. كما أن ادعاءات الإيطاليين بأن أوروبا تخلت عنهم في مواجهة موجة اللاجئين الأخيرة التي اجتاحت أرجاء القارّة لم تعد تقنع بدورها أحداً بعدما نجحت السياسات القاسية التي اتخذتها الحكومة الإيطاليّة أخيراً في تقليص الهجرة إلى حدود دنيا، وهو نجاح قرأته برلين وباريس على أنّه دلالة على التقصير الفادح من قبل الدولة الإيطاليّة في مهمتها حماية حدود أوروبا الجنوبيّة من هجوم فقراء العالم الثالث البائسين.
إذاً، هؤلاء القوميون المزيفون الذين يتاجرون بإيطاليا عظيمة من جديد ويدعون استدعاء تراث موسوليني ليسوا في حقيقتهم مختلفين جذرياً عن النخبة الليبراليّة التي سبقتهم في السلطة، وهم بشرائهم الوقت مستفيدين من التحوّل المؤقت في توازن القوى التفاوضي مع بروكسل نتيجة «بريكست» إنّما يؤجلون معركة مواجهة مصاعب البلاد الحقيقيّة ويغرقونها في مزيد من الديون والالتزامات على نحو يسير في اتجاه معاكس تماماً لما يبيعونه للجمهور الإيطاليّ من معزوفات السيادة والاستقلال. وما لم تتنبه الطبقات المهمشة لحقيقة ادعاءات هذه الفئة من النخبة الإيطاليّة التي خدعتهم وتولّت إدارة دولتهم في هذه المرحلة بنثرها وعود التغيير والقضاء على الفساد، فإن حلم إمبراطوريّة موسوليني القديم كما آمال جيل الإيطاليين الشباب سينتهيان كلاهما حتماً كتراجيديات إغريقيّة حزينة أخرى.