على مدار أقل من أربع ساعات بقليل، جلّس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، إلى أكثر من 1700 صحافي من بلاده والعالم، مجيباً على أسئلتهم. الخطاب السنوي المعتاد نهاية كل عام، منذ 14 سنة، استهله بوتين بكلمة مقتضبة شددت على الإنجازات في مجال التنمية والاقتصاد في البلاد أثناء العام المنصرم. وتنوعت الأسئلة المطروحة على سيد الكرملين من الاقتصاد والسياسة والعلاقات مع الغرب وأزمة أوكرانيا وصولاً إلى الأسئلة الشخصية حول صحته وحياته العاطفية.

وسيطر الهاجس الاقتصادي على خطاب الرجل، إذ أعرب عن طموحه بأن تقفز بلاده المصنفة لدى البنك الدولي في المرتبة 12 ضمن اقتصادات العالم، إلى نادي القوى الخمس الأكبر، معتبراً أن موسكو «تملك تماماً الإمكانيات للانضمام إلى الخمس الكبار». وعلى صعيد الأمن الدولي، رأى أن أكبر مبعث لقلقه هو «سباق تسلح جديد خطير»، اتهم الولايات المتحدة بتأجيجه من خلال تجاهل سياسة الحد من التسلح، في إشارة إلى نية واشنطن الانسحاب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى. وحذّر من تقليل خطر اندلاع حرب ذرية، ومن أنه من الصعب التكهن بعواقب خطوة الانسحاب الأميركي، وقال: «إذا ظهرت هذه الصواريخ (النووية) في أوروبا فماذا علينا أن نفعل؟ سيكون علينا بالطبع أن نضمن أمننا»، داقّاً ناقوس خطر «انهيار النظام العالمي للحد من التسلح و(بداية) سباق للتسلح» جديد وخطير. وعلى عكس قضية المعاهدة النووية، حظي قرار ترامب بالانسحاب من سوريا بترحيب من نظيره الروسي الذي رأى فيه قراراً «عادلاً».
وبدا واضحاً في الخطاب وضعه الغرب موضع التنافس والمواجهة من السياسات الروسية الاستراتيجية، فالغرب يحاول «الوقوف في وجه تقدم روسيا التي تزداد قوة»، حتى إن العقوبات الأوروبية والأميركية ضد موسكو مرتبطة، بحسب ما جاء في الردود على الأسئلة، بـ«تزايد قوة روسيا». وفي مقطع آخر بدا بوتين أكثر صراحة في التعبير عن رؤيته لموقع موسكو الإقليمي والعالمي، بالقول إن «لاعباً قوياً ظهر يجب أن يحسب له حساب. حتى وقت قريب كان يعتقد أنه لم يعد هناك وجود لمثل هذه البلد». وحاجج الرئيس الروسي في رفض الاتهامات الغربية بقضايا التجسس وملف تسميم العميل الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال، وأقام مقاربة للملف الأخير مع قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، حيث الفاعل معروف ولم تفرض عقوبات ضده، وقال: «لو لم يكن هناك سكريبال، لاخترعوا أمراً آخر. والهدف بسيط: إعاقة التنمية في روسيا باعتبارها منافساً محتملاً». ورداً على سؤال طرحته مراسلة صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في شأن ما اعتبرته محاولة قيادة وحكم العالم ونشر التهديدات، قال بوتين: «نحن نعلم أين يوجد هذا المقر الرئيسي الذي يحاول بكل ما يستطيع من نفوذ وقوة أن يفعل ذلك ومقره بالتأكيد ليس في موسكو»، مضيفاً: «هذا مرتبط بدور الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي من خلال الارتباط بالمصاريف على الأسلحة والدفاع بمبلغ 700 مليار دولار». وذكّر بأن ميزانية بلاده العسكرية تبلغ 46 مليار دولار وعدد سكان روسيا 146 مليوناً، فيما بلاد «الناتو» عدد سكانها 600 مليون، معقباً بسؤال: «هل تعتبرون هدفنا هو حكم العالم؟».

رفض عودة الاشتراكية وندّد بانشقاق الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية


وإلى جانب قضايا محلية وشخصية متفرقة طرحها الصحافيون الذين تنافسوا على لفت انتباه الرئيس، رفض بوتين عودة الاشتراكية والشيوعية إلى البلاد بمفهومها السابق والشامل، واعتبر ذلك أمراً غير قابل للتحقق، إلا من زاوية تقتصر على تحقيق نوع من العدالة للطبقات الأكثر فقراً. كذلك ندد بتأسيس الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية المنشقة عن كنيسة روسيا. وجدد مواقفه من الأزمة مع كييف على خلفية حادثة بحر آزوف، معتبراً أن الرئيس الأوكراني نجح في استغلال القضية لمصلحة ترشحه في الانتخابات المقبلة.