تعليقاً على استقالة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، كتب هال براندس، الأستاذ في كلية الدراسات الدولية العليا في جامعة «جون هوبكينز»، أن «تداعيات الموجة الارتدادية من وراء البحار للهزّة الزلزالية التي سبّبتها الاستقالة على الساحة السياسية الأميركية ستكون تدميرية أيضاً». نحن بالفعل أمام تطور شديد الأهمية، لكن مواقف الأطراف الدولية حياله، بين «الحلفاء» والخصوم على حد سواء، متباينة أو حتى متناقضة في بعض الحالات. فرحيل «الكلب المسعور»، كما كان يلقّب ماتيس في الجيش الأميركي، هو بمثابة المصيبة بالنسبة إلى من بقي يراهن عليه، باعتباره آخر «العقلاء» في الإدارة، الذي يتيح إمكانية التوصل إلى تفاهمات أو توافقات معها عبر كبح جماح الرئيس دونالد ترامب. لكن هذا الرحيل، بنظر تيارات أخرى داخل الأطراف الدولية المذكورة، فرصة للدفع باتجاه التخلي عن رهان السعي للتفاهم بأي ثمن مع إدارة هوجاء واعتماد خيارات أخرى أكثر تشدداً تجاهها. الإدارة الأميركية باتت أكثر انسجاماً مع مواقف دونالد ترامب وسياساته، غير أن خروج ماتيس منها، الذي تلا الاستقالات المتتالية لمن سُمّوا يوماً «النواة العسكرية» للإدارة، هربرت ماك ماستر، مستشار الأمن القومي السابق، وجون كيلي، وزير الأمن القومي، ومن ثم كبير موظفي البيت الأبيض، مؤشّر إضافي وحاسم على احتدام الصراع داخل النظام الأميركي بين الرئاسة والدولة العميقة وانهيار الإجماع الاستراتيجي بينهما على ملفات رئيسية في السياسة الخارجية.


خصوم واثقون وحلفاء مذعورون
الانقسام داخل النظام الأميركي وجنوح الإدارة نحو المزيد من التشدّد، إن لم يكن التهور، في السياسة الخارجية يعزّز الخيارات التي اعتمدتها في السنوات الماضية دول كالصين وروسيا وإيران في مواجهة هذه السياسة الهادفة إلى احتوائها ومحاصرتها وزعزعة استقرارها، ويضعف حجج «تيارات الاعتدال» داخلها التي دافعت عن فكرة عدم التصعيد مع واشنطن وانتظار مرحلة «ما بعد ترامب» لإصلاح ذات البين معها. الضعف الناجم عن الصراعات الداخلية الأميركية يشكّل فرصة للاستمرار في العمل على المزيد من تعديل موازين القوى الدولية لغير مصلحة الولايات المتحدة عبر توثيق التحالفات فيما بينها والتخلي عن فكرة الصفقة المنفردة مع واشنطن على حساب إحدى هذه الدول. وقد عبّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن هذه الوجهة بوضوح عندما قال إن البعض في واشنطن «يناقشون الآن، بجدية، كيفية استخدام روسيا ضد الصين لمصلحتهم. كذلك فإن محاولات التحريض على تغيير السلطة في بلادنا أو تغيير السياسة الروسية، هي ما يعاني منه الكثيرون في واشنطن، رغبة منهم في جعلنا أداة لخدمة مصالح الولايات المتحدة. نعرف دولاً تمكّن الأميركيون من إجبارها على لعب هذا الدور، لكن بالطبع هذا الأمر لن ينجح معنا». في موسكو، كما في بكين وطهران، إدارة أميركية أكثر عدوانية ستقدم حافزاً إضافياً للمضي في الخيار الأوراسي على حساب «الحلم الغربي» للبعض. الصورة مختلفة بين حلفاء الولايات المتحدة الذين يواجهون الخيبة تلو الأخرى.

رحيل ماتيس فرصة للدفع باتجاه التخلي عن رهان التفاهم بأيّ ثمن مع إدارة هوجاء


انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، ومواقفه الاستفزازية المتكررة حيال شركائه الأوروبيين وتلويحه المستمر باحتمال تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها «الدفاعية» تجاههم في إطار حلف «الناتو»، جميعها عوامل عززت القناعة بأن هؤلاء الحلفاء باتوا مضطرين، وبالاكراه، على محاولة بلورة سياسة خارجية ودفاعية أوروبية مشتركة ومستقلة. وقد اعتبر البعض أن تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أيار 2017 بشأن ضرورة اعتماد أوروبا على نفسها في ميدان السياسة الدفاعية وكلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال الشهر الماضي عن الحاجة إلى تشكيل جيش أوروبي لحماية بلدان الاتحاد من «روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة»، التي أثنت عليه ميركل في اليوم التالي، مؤشرات حاسمة على وجود إرادة سياسية لدى الثنائي الفرنسي - الألماني، النواة الأصلية للمشروع الأوروبي، لولوج درب الاستقلال عن واشنطن. وقد تعزز هذا الانطباع بعد المواقف اللاذعة التي أطلقها وزير الخارجية الألماني هايكو ماس تجاه الولايات المتحدة وسياساتها. الخلافات الأميركية - الأوروبية عميقة، وهي مرتبطة بسعي إدارة ترامب لتفكيك «النظام الدولي الليبرالي»، عبر إضعاف مؤسساته التعددية كالأمم المتحدة، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي استند إليها، وبسياساتها تجاه عدد من الملفات الحيوية كالأزمة البيئية والاتفاق النووي مع إيران وانسحابها من معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى والعودة إلى نمط من الحمائية الاقتصادية والتجارية، ومعارضة الثنائي الأوروبي لمجمل هذه المساعي والسياسات. لكن من الصعب أن تفضي هذه الخلافات إلى إعادة النظر بالتوافقات الاستراتيجية بين الثنائي المذكور، وتحديداً الطرف الفرنسي، المعني بالأبعاد العسكرية والاستراتيجية أكثر من الطرف الألماني الذي يعطي الأولوية للاقتصاد، والولايات المتحدة بسبب تطابق تعريفهما للتهديدات الرئيسية وتمسكهما بحلف «الناتو» للحفاظ على الهيمنة الغربية والتصدي لصعود «منافسين» غير غربيين على صعيد عالمي.

تعريف مشترك للخطر الرئيسي
في مقدمة التقرير الاستراتيجي للدفاع والأمن الوطني الصادر في آخر عام 2017، وهو تقرير أعد تحت إشراف وزيرة الجيوش (الدفاع) الفرنسية فلورانس بارلي بطلب من الرئيس ايمانويل ماكرون، كتب الأخير أن السياق الدولي الحالي «شديد الاضطراب. غالبية المخاطر والتهديدات التي نتعرض لها لم تكن مجهولة بالنسبة إلينا، لكن تأثيراتها تتعاظم... إن تكاثرها يشي بالضعف المتزايد للنظام الدولي وصعود لاعبين يريدون تغييره». لم يُشر الرئيس الفرنسي مباشرة لروسيا والصين، لكن التقرير في الصفحة 18 يتهم روسيا بأنها تعمل «على مواجهة المؤسسات والأدوات الدولية وتعطيلها، وعندما يتعلق الأمر بمصالحها، على دعم مؤسسات إقليمية بديلة. الصين اختارت من جهتها، في جوارها، استخدام نفوذها الاقتصادي وعلاقاتها الثنائية مع دوله». وقد رأى معدو التقرير في الصفحة 13 أن «اللايقين الذي يطبع المرحلة الانتقالية التي دخلها العالم يضاف إليه انفجار متزامن لأزمات معقدة نحن أطراف مباشرين فيها إلى جانب شركائنا، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، من منطقة الساحل في أفريقيا إلى الشرق الأوسط. نحن نواجه لاعبين متعددين لديهم تطلعات طموحة وقدرات كبيرة». على الرغم من أن لغة التقرير أكثر دبلوماسية من تلك المستخدمة في تقريري الأمن القومي والدفاع الوطني الأميركيين، إلا أنه يصل إلى الاستنتاج نفسه في ما يتعلق بالتحدي الرئيسي الذي تواجهه القوى الغربية، وهو توسع دور القوى غير الغربية ونفوذها، وفي طليعتها روسيا والصين، وعزمهم على تغيير موازين القوى الدولية المختلة لمصلحة الأولى منذ عقود طويلة. وقد أكد فرنسوا لوكوانتر، رئيس هيئة الأركان الفرنسية، هذه الوجهة عندما قال أمام لجنة الشؤون الخارجية والقوات المسلحة في البرلمان في شهر تشرين الأول الماضي، أن «فرنسا صاغت شراكتين استراتيجيتين رئيسيتين مع الهند وأوستراليا كسبيل للتحكم بالنزعة التوسعية الصينية، التي من المحتمل أن تصبح أكثر عدوانية، والتصدي لها إن كان الأمر ممكناً. إنها مهمة رئيسية في المحيطين الهندي والهادئ وكذلك في أفريقيا». التصور الاستراتيجي السائد بين غالبية النخب السياسية والعسكرية الفرنسية والأوروبية هو أن بلدانها والولايات المتحدة تنتميان إلى معسكر واحد وهو معسكر «الديمقراطيات الليبرالية الغربية»، ولم تؤدّ مواقف ترامب وسياساته إلى اهتزاز أسس هذا التصور حتى الآن. لكن الإيغال في التطرف من قبل الفريق الصقوري الذي بات يتحكم تماماً بدفة القيادة في الإدارة الأميركية بعد رحيل «العقلاني الأخير» ماتيس قد يكره النخب الأوروبية الخائبة على البدء بمراجعة حساباتها والإنصات إلى وزير الخارجية الألماني الجريء.