لا استراتيجية واضحة، حتى الآن، بشأن التموضع السياسي لعمران خان. الأكيد أن رئيس الوزراء الباكستاني، المعبّر صراحة عن خيبة أمل من الحليف الأميركي، يصب اهتمامه على ملف الأزمة الاقتصادية لإسلام آباد. وفي سبيل البحث عن الحلول الاقتصادية، لا يخفي الرجل عدم رغبته في الركون إلى اصطفافات عمودية، بما فيها العلاقات التاريخية مع الرياض وواشنطن، ونسج علاقات متشعبة، تبدأ من الصين وإيران ولا تنتهي بتركيا. جولات خارجية شرع بها خان منذ مدة، سيطر على جميعها العنوان الاقتصادي، لتحط رحاله أخيراً في أنقرة.

الزيارة التركية، بدت مُعَدّة بعناية، إذ سبقتها مبادرة لإسلام آباد، قبل أيام فقط، تمثلت في تجريم القضاء الباكستاني منظمة المعارض التركي فتح الله غولن، ووضعها على قائمة الإرهاب وتسليم مدارسها الموجودة على الأراضي الباكستانية إلى السلطات التركية. وقد استمرت الزيارة ليومين، التقى خلالهما خان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. وبدا الطرفان حريصين على زيادة التعاون التجاري، إذ أوضح إردوغان في المؤتمر الصحافي المشترك أنه بحث مع ضيفه الإجراءات الممكن اتخاذها من أجل رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، مشيراً إلى أنهما اتفقا على «إعداد اتفاقية تجارة حرة، وأعطينا التعليمات للوزراء المعنيين من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة بهذا الصدد». بدوره، قال رئيس الوزراء الباكستاني، أثناء مشاركته في مأدبة عشاء أقامها اتحاد الغرف والبورصات التركية والسفارة الباكستانية لدى أنقرة، وحضرها وزيرا الخارجية والتخطيط الباكستانيان: «جئت مع فريقي لأنه حان الوقت لأن ترفع باكستان وتركيا حجم تجارتهما». وحث الشركات التركية على الاستثمار في بلاده في مجالات مختلفة، بينها التنقيب عن الغاز والنفط والمعادن ومشاريع إسكانية ضخمة. الجدير ذكره أن البلدين يتمتعان بنمو لافت، بدأ العام الماضي، في العلاقات على صعيد الصناعات العسكرية التركية. إذ وقعت إسلام آباد اتفاقيات لشراء مروحيات «أتاك» التركية، ووقّع الجانبان اتفاقية لصناعة أربع سفن من طراز «ميلغم»، كما فازت شركة تركية بمناقصة لتحديث غواصات البحرية الباكستانية.
من هنا، تنظر تركيا إلى انفتاح إسلام آباد على أنه فرصة أكبر لها لتعزيز اقتصادها في إطار مكافحة التضخم والاستثمار الخارجي، من جانب، ومن جانب آخر تعزيز موقفها السياسي، عبر أداء دور أكثر تأثيراً في ملف أفغانستان واجتذاب جارتها باكستان إلى صفها في إطار المنافسة على الزعامة الإسلامية مع السعودية. وترى أنقرة أنها قادرة على أداء دور أكبر في الملف الأفغاني كونها الدولة المسلمة الوحيدة الموجودة عسكرياً هناك في إطار «الناتو». فرصة انتهزها إردوغان ليعلن عن مبادرة لعقد قمة ثلاثية في إسطنبول تجمعه إلى كل من خان والرئيس الأفغاني أشرف غني. واعتبر أن القمة «ستكون وسيلة لتجاوز مشكلات عديدة»، مشيراً إلى موافقة كل من غني وخان على عقدها، وتوقع تنظيمها عقب الانتخابات المحلية في تركيا في آذار/ مارس المقبل. ورحب الضيف الباكستاني بالمبادرة، وقال إن «على المجتمع الدولي وأي جهة بإمكانها تحقيق السلام (في أفغانستان) أن تقدم المساعدة»، مضيفاً «باكستان تبذل ما في وسعها من أجل تحقيق حوار بين الولايات المتحدة الأميركية وحركة طالبان، وعلى دول الجوار وأصحاب المصالح بذل جهود في هذا الإطار».
ويربط مراقبون بين زيارة خان وانخراط بلاده في مبادرة «الحزام والطريق»، على أنها رغبة في استمالة أنقرة نحو لعب في المشروع الصيني. مهما تكن أهداف خان من وراء نسج العلاقات الخارجية هذه، فهي بالحد الأدنى تهدد بانزياح عن الالتصاق التاريخي بالسعودية، سيجعل للأخيرة منافسين في الحصة الباكستانية. وأمس، حاول الرجل إعطاء زيارته التركية بعداً يتجاوز السياسة، حين زار قونيا، مدينة زعيم التصوف الإسلامي جلال الدين الرومي، وقال عند ضريح الأخير إنه مهتم بالتصوف، معتبراً أن الرومي هو «الأب الإيديولوجي» لـ«الأب الإيديولوجي لباكستان محمد إقبال».