بدأ الكونغرس الأميركي دورته الجديدة بعقد جلسته الأولى وسط انقسام بين الديموقراطيين الذين يسيطرون على مجلس النواب والجمهوريين الذين عزّزوا غالبيتهم في مجلس الشيوخ. ومن أول التحديات بين الحزبين، كان إقرار تمويل الحكومة من أجل وقف الإغلاق الجزئي للوكالات الفدرالية. وفيما تمكّن الديموقراطيون من تمرير تمويل مؤقت في مجلس النواب، إلا أنّ من المتوقع أن يُعرقل من قبل الجمهوريين في مجلس الشيوخ.

ما زال من غير المعروف إلى متى سيستمر الإغلاق الجزئي للحكومة الفدرالية الأميركية، على الرغم من إقرار مجلس النواب، أول من أمس، نصّين تشريعيين يرميان إلى إنهائه. الأمر الآن بيد مجلس الشيوخ الذي من المرجّح ألّا يوافق عليهما بسبب عدم تلبيتهما شرط الرئيس دونالد ترامب بتمويل بناء جدار على الحدود مع المكسيك.
فجوة التمويل التي ظهرت للمرة الثالثة خلال عام، تلقي الضوء على واحد من أطول الإغلاقات التي تشهدها الحكومة الفدرالية تاريخياً. وقد أدى ذلك إلى إغلاق أجزاء كبيرة من وزارات رئيسية عدّة ووكالات اتحادية، منذ 21 كانون الأول، عندما فشل الكونغرس في تمرير الميزانية. فعلى الرغم من أن نحو 75 في المئة من الحكومة قد موّله الكونغرس، إلا أن وكالات رئيسية مثل وزارة الأمن الداخلي، والعدل، والزراعة، والخزانة، والنقل والتجارة، ووزارة الإسكان والتنمية المدنية، إضافة إلى وكالة حماية البيئة، بقيت من دون تمويل.
النصّان اللذان أقرّهما مجلس النواب، أول من أمس، يلحظان تمويلاً مؤقّتاً للإدارات الفدرالية المُغلقة، ويتيحان الوقت لإجراء مفاوضات للتوصّل إلى اتفاق بين البيت الأبيض والمعارضة الديموقراطية، بشأن السبيل الأمثل للتصدّي للهجرة غير الشرعية. إلا أن زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، أعلن أنّه لن يحدّد موعداً للتصويت على هذين النصّين إلّا إذا حصل من ترامب على الضوء الأخضر بذلك، لأنّهما في نهاية المطاف لن يريا النور إذا لم يوقّع عليهما الرئيس. ويضمن أحد النصّين لغاية 30 أيلول، تمويل معظم الإدارات الفدرالية المغلقة حالياً، فيما يموّل النصّ الآخر لغاية 8 شباط الميزانية الحساسة لوزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن ضبط الحدود، وذلك بهدف إتاحة الوقت الكافي للتوصّل إلى حلّ لهذه المسألة الخلافية.

يعارض البيت الأبيض بشدّة الإجراءين اللذين أقرّهما مجلس النواب


وفيما يدخل هذا الإغلاق أسبوعه الثالث، فهو يتّخذ أوجهاً عدّة من تبادل الاتهامات واللوم بين الحزبين. وفي الوقت الذي يصرّ فيه ترامب على مطلبه، يواجه ماكونيل ضغوطاً من أعضاءٍ في حزبه من أجل التدخّل لحلّ المأزق الذي ترك 800 ألف عامل فدرالي، إما في إجازة أو يعملون من دون أجر. ماكونيل الذي يسعى، من خلال تغييب نفسه حالياً، إلى إلقاء اللوم على الديموقراطيين، يعمل على «حماية» الجمهوريين، وخصوصاً هؤلاء الذي قد يترشحون للانتخابات الرئاسية عام 2020، بمن فيهم هو نفسه.
الأمر نفسه يسري على ترامب، الذي يتحدث عن الحاجة لـ«الحماية» على الحدود الجنوبية للبلاد. هو قال إنه ينوي إبقاء الإغلاق الحكومي قائماً إلى أن يحصل على تمويل الجدار، فيما بدا غير مبالٍ بالعملاء في إدارة أمن المواصلات، وغيرهم من العاملين في المجال الأمني، والعمّال الفدراليين، الذين باتوا ضحية مواجهة سياسية. أما المرة الوحيدة التي تطرّق خلالها الرئيس الأميركي إلى العمال الحكوميين، فقد كانت من خلال اعتباره العديد منهم أنهم «قوة معادية» وجزءاً من «الدولة العميقة» التي لا يثق بها هو وداعميه. «هل يدرك الديموقراطيون أن غالبية الأشخاص الذين لا يتلقّون أجراً هم ديموقراطيون؟» تساءل ترامب في تغريدة عبر «تويتر».
رؤية ترامب هذه التي تستند إلى أن غالبية القوة العاملة هي ديموقراطية «غير مثبّتة»، بحسب ما أشار إليه البروفسور بول لايت في حديث إلى صحيفة «نيويورك تايمز». وقد لفت هذا الأخير إلى أن استنتاج ترامب مبني على أن «الاتحادات الفدرالية تملك وجوداً كبيراً بين القوى العاملة الفدرالية، وغالبية هذه الاتحادات ديموقراطية. ولكن لم يكن هناك أي استطلاع يتطرّق إلى تلك المسألة».
المواجهة الأولى بين الديموقراطيين والجمهوريين بدأت، ويبدو أنها ستستمر إلى وقت ليس بقريب، خصوصاً أن البيت الأبيض يعارض بشدّة الإجراءين اللذين أقرّهما مجلس النواب، لأنهما لا يلحظان تمويلاً لبناء الجدار الحدودي الذي يريده ترامب، ويرفضه الديموقراطيون. كذلك، سارع الجمهوريون إلى التنديد بـ«التصويت العديم الفائدة الذي لا يوفّر الوسائل التي نحتاج إليها لتأمين حدودنا»، فيما يقول الديموقراطيون إنّهم يؤيّدون تعزيز بعض الإجراءات الأمنية لمراقبة الحدود وضبطها، لكنهم يرفضون بشدة بناء جدار يعتبرونه «غير فعّال» و«باهظ الكلفة».