لم تكن بداية 2019 مبشّرة لفرنسا، وذلك مع استئناف حركة «السترات الصفر» احتجاجاتها الواسعة التي تجتاح البلاد منذ شهرين. «هدنة» ما بين الأعياد ونهاية السنة لم تدم، بالرغم من حزمة «التنازلات» التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي تجاوزت عشرة مليارات يورو، إضافة إلى الإعلان عن تنظيم «النقاش الوطني الكبير»، في سياق الحد من الحراك الأكثر خطورة في تاريخ فرنسا الحديث.

وللأسبوع التاسع على التوالي، خرجت «السترات الصفر» في تظاهرات واعتصامات وقطع طرقات في باريس وأكبر المدن الفرنسية، وسط حضور أمني مكثّف بلغ 80 ألف شرطي ودركي، تجنباً لأعمال عنف وشغب وتخريب. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن تظاهرات السبت، كما الأسابيع السابقة، لم تخل من توتّر ومواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، التي استخدمت الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، ولجأت إلى حملة توقيفات لأكثر من 75 شخصاً في العاصمة، وأكثر من مئة في أنحاء فرنسا، منهم أكثر من 20 في مدينة بورج، عاصمة الحراك، التي شهدت تظاهرة كبيرة بحضور وجوه شهيرة من «السترات الصفر». وهو أمر ساهم في رفع عدد المتظاهرين هناك، حيث خرج أكثر من خمسة آلاف شخص في شوارع المدينة، بعيداً من وسطها الذي حظرت السلطات التظاهر فيه.
وبلغ عدد الذين تظاهروا السبت الماضي نحو 84 ألف شخص في كلّ أنحاء فرنسا، وفق ما أعلنت وزارة الداخلية، ما يعني زيادة بنحو 50 ألف شخص عن عدد الذين تظاهروا السبت الماضي، على رغم أن «السترات الصفر» لطالما شكّكت في إحصاءات الداخلية. وهذا الرقم يشير إلى أن حراك «السترات الصفر»، الذي شكّل منعطفاً في ولاية ماكرون، لا يتجه نحو الانحسار، وهو ما لفت إليه زعيم حزب «فرنسا غير الخاضعة» (معارض) جان لوك ميلانشون.
«إيمانويل ماكرون مثل لويس السادس عشر الذي... تلقى دفاتر التظلمات، ولكن لم يفهم شيئاً منها». هذا ما قاله المؤرخ ستيفان سيرو من جامعة «سيرجي بونتواز»، مضيفاً إنه «بوضع حدود للبنود التي سيجري بحثها، يخاطر ماكرون بارتكاب الخطأ نفسه الذي حكم على الملكية بالفشل». وسيطلق ماكرون، الذي سيوجه رسالة إلى المواطنين اليوم، «النقاش الوطني»، عبر قيامه بجولة تشمل رؤساء بلديات الأقاليم الذين يراهن عليهم، نظراً الى قربهم من المواطنين. وسيركز الحوار على أربع قضايا، هي: الضرائب، الطاقة الخضراء، الإصلاح الدستوري والمواطنة. وستجرى المناقشات عبر الإنترنت وفي قاعات البلدية. إلا أن مسؤولين قالوا إنه لن يحدث تغيير في مسار الإصلاحات التي أعلنها ماكرون، والتي تهدف إلى تحرير الاقتصاد. وفي حين يثير «الحوار الوطني» الفضول لدى البعض، فإنه يثير الريبة والصدّ لدى الكثيرين من حركة «السترات الصفر» وأحزاب المعارضة، وهو ما أظهره موقف حزب «التجمع الوطني» (يمين)، الذي اعتبره «حيلة للحكومة للخروج من ورطتها»، في حين أن القيادي في «فرنسا غير الخاضعة»، إيريك كوكريل، رأى أن النقاش الكبير «دَفن كبير لحركة السترات الصفر»، مطالباً بإلغائه، لأنه «لن يفيد في شيء».