يشكّل تسريب معلومات ليومية «نيويورك تايمز» عن إجراء مكتب التحقيقات الفدرالي تحقيقاً في إمكانية تخابر الرئيس دونالد ترامب مع روسيا فصلاً جديداً من المعركة المستمرة بين ترامب والدولة العميقة في الولايات المتحدة. وإذا كان لهذا الاتهام، الذي يرقى إلى مصاف التخوين، وظيفة بديهية في معركة مستعرة يأمل أعداء ترامب أن تختتم بإضعافه لدرجة منعه من الفوز بولاية ثانية، فإن الوظيفة الأخرى هي إحباط محاولاته للتقارب مع روسيا. وكانت الدولة العميقة قد نجحت في إحباط أكثر من محاولة في هذا الاتجاه منذ وصوله إلى السلطة، وهي تعتبر أن بين دوافع قراره بسحب قواته من سوريا، مع ما يعنيه من تعزيز لدور روسيا في هذا البلد، رغبة معلنة للرئيس باستثمار الانسحاب لتحسين العلاقات معها. «الروسوفوبيا»، أو كراهية روسيا، من الثوابت التي ترقى إلى مصاف الأيديولوجيا في أوساط الدولة العميقة، وهي حكمت سياستها حيالها في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبشكل خاص بعد انتخاب الرئيس فلاديمير بوتين، والخطوات والإجراءات التي اتخذها لمنع تفككها وإصلاح بناها السياسية والاقتصادية، تمهيداً لعودتها لاعباً بارزاً إلى الساحة الدولية. ولم تؤدِّ المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم، وبينها بروز قوى صاعدة جديدة كالصين، التي باتت منافساً حقيقياً للولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي على الأقل، إلى إعادة النظر بهذه المقاربة الأيديولوجية، مع أن من نتائجها السلبية بالنسبة إليها الدفع لتقارب لم يكن حتمياً أبداً بين العملاقين الروسي والصيني.


الروسوفوبيا ورداؤها «الأكاديمي»
بحسب اعتقاد واسع الانتشار، خاصة في منطقتنا، فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة هي نتاج لعملية صناعة معقدة تساهم فيها مؤسسات رئيسية للنظام الأميركي، تنطلق من تعريف عقلاني بارد لمصالحها الحيوية العليا، ومن تحديد دقيق للأدوات والسبل والتحالفات الكفيلة بخدمتها وتعظيمها. تشارك في هذه العملية أيضاً جيوش من الخبراء والاختصاصيين، العاملين في المؤسسات المذكورة أو في مراكز دراسات تابعة لها، تساعد بفضل خلفياتها الأكاديمية في تقديم معرفة «علمية» لصناع القرار منزهة عن الأهواء والانحيازات الأيديولوجية المفرطة. تتعامى هذه السردية عن حقيقة انقسام النخبة السياسية الأميركية، والخبراء والاختصاصيين، إلى مدارس فكرية - سياسية متباينة وأحياناً متناقضة، وأن لهذه المدارس انحيازات أيديولوجية وسياسية لها دور مهم في تعريف ما تعتبره مصالح أساسية للبلاد وأولويات استراتيجية وفي بلورة السياسات الكفيلة بخدمتها والدفاع عنها. ويكشف الانقسام الحاد حول الموقف من روسيا اليوم عن اختلاف واضح في تعيين الأولويات الاستراتيجية الأميركية بين التيار الرئيسي في الدولة العميقة الأميركية الذي يناصب روسيا عداءً محكماً، وتيار آخر، عبّر عنه أوباما، على عكس غالبية إدارته، ويعبّر عنه ترامب، الذي يجد نفسه اليوم في وضع شبيه لأوباما حيال هذا الموضوع. ليس لدى التيار الثاني أي «هوى روسي»، وهو حريص كما الأول على الحفاظ على الهيمنة الأميركية على العالم ومواجهة أية قوة تتحداها أو تسعى للحد منها، لكنه يرى ببساطة أن هذه القوة الآن هي الصين لا روسيا وأن الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو اعتماد سياسات معادية للاثنين معاً، ما يشجعهما على التقارب وحتى التحالف، وهو ما وقع بالفعل. ما يقوم به ترامب، وما كان يود أوباما القيام به لولا الضغوط الكبيرة التي تعرض لها من إدارته ومن حلفائه الأوروبيين على خلفية الأزمة الأوكرانية، هو السعي لفك الشراكة الروسية - الصينية عبر إعادة بناء جسور الثقة مع موسكو وعرض نوع من الشراكة عليها لتحييدها في المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وبكين. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أشار في تصريح له إلى أن البعض في الولايات المتحدة «يناقشون بجدية كيفية استخدام روسيا ضد الصين لصالحهم»، مضيفاً «أن المشكلة الرئيسية في العلاقات بين موسكو وواشنطن تكمن في أن الولايات المتحدة لم تنظر إطلاقاً إلى هذه العلاقة من مبدأ أهميتها، وأن المؤسسة السياسية الأميركية لا تزال تنظر الى روسيا كأنها طرف تابع».
والحقيقة أن الدولة العميقة لم تترك لترامب فرصة تقديم عروض ذات صدقية لروسيا، ولم تتوقف عن إظهار المواقف العدائية تجاهها في تقاريرها الاستراتيجية التي صنفتها باعتبارها الخطر الأكبر على الولايات المتحدة، أو عند انسحابها من معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى أو في تصريحات مسؤوليها السياسيين والعسكريين. وضع لافروف يده على الجرح عندما رأى أن واشنطن ما زالت تنظر إلى بلاده وكأنها طرف تابع. وكان الخبير الروسي أندري تزيكانوف قد أوضح هذه الحقيقة في كتابه المهم «روسوفوبيا. اللوبي المعادي لروسيا والسياسة الخارجية الأميركية» الصادر عام 2009، أي منذ عشر سنوات. تزيكانوف، وهو من أنصار تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، لكن على قاعدة الندية، أكد في كتابه «أنه على الرغم من أنّ تحليلاً نقدياً لروسيا ونظامها السياسي أمر مشروع تماماً، يبقى أن النقد ينبغي أن يكون متوازناً. الدور العالمي لروسيا ينمو، لكن الكثير من السياسيين الأميركيين يشعرون بأن لا أهمية لها على المستوى الدولي. تصعب عليهم الموافقة على التفاوض والتنسيق حول ملفات دولية كأفغانستان والعراق وحول سياستهم الخارجية مع أمة كانت تبدو حتى الأمس القريب ضعيفة وتابعة للغرب. الروسوفوبيا هي أداة للضغط على الكرملين لحمله على الاستسلام للمشروع الأميركي الكبير الهادف إلى السيطرة على الموارد الأولية الحيوية والمواقع الجيوستراتيجية». ويسهب تزيكانوف في عرض آليات عمل لوبي عابر للانقسام الحزبي في أميركا ويضم إلى السياسيين مراكز أبحاث ووسائل إعلام يتمحور جلّ نشاطهم حول تسعير حالة العداء لروسيا وإذكائها بين النخب وفي المجتمع. كتاب آخر عن الموضوع نفسه، صدر في بداية هذا العام للمؤرخ والباحث والأستاذ الجامعي ستيفن كوهين بعنوان «حرب مع روسيا؟ من بوتين وأوكرانيا إلى ترامب وروسياغيت». يقول كوهين: «مهما كانت التفسيرات، فإن العديد من التداعيات التي توقعتها في كتابي، حتى لو كانت غير مقصودة ومتعارضة مع المصالح الوطنية الفعلية للولايات المتحدة، نراها أمامنا اليوم. ابتعاد روسيا عن الغرب واستدارتها نحو الصين حقيقتان أصبح الجميع يعترف بهما، وباتت النخب الروسية تدافع عن هذا الخيار. وحتى الحلفاء الأوروبيون لا يترددون أحياناً في الوقوف إلى جانب موسكو في مواجهة واشنطن حول بعض القضايا... لقد سمحت العقوبات الأميركية الخرقاء باستعادة موجودات للأوليغارشية الروسية إلى بلاده بقيمة 90 مليار دولار سنة 2018 وحدها. ما زالت وسائل الإعلام الرئيسية تصوّر سياسة بوتين الخارجية على أنها تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الاتحاد السوفياتي. وعندما نشر موظف مجهول الهوية في البيت الأبيض رسالة في نيويورك تايمز عن لا أخلاقية ترامب، سياسته الوحيدة التي خصّها بالذكر هي تلك المتعلقة بروسيا». من الممكن أن يكون الرئيس الأميركي قد حصل على مساعدة روسية ما خلال الحملة الانتخابية ولكن، وفي انتظار الدلائل، ستكون النتيجتان الأساسيتان للحملة التي يتعرض لها، المزيد من التضييق على مسعاه لتطبيع العلاقة مع روسيا ودرجة أعلى من الشحن العدائي ضدها في الولايات المتحدة.