بعد إفلاتها من اقتراع سحب الثقة، مدّت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي يدها إلى معارضيها. 24 ساعة صاخبة عاشتها بريطانيا، اعترفت بعدها ماي بأن اتفاقها مع الأوروبيين بشأن الخروج قد سقط، وتعهدت بالعمل لإيجاد بديل. وفوراً، وضعت جدولاً لمحادثات مع الأحزاب بدأتها بلقاء مع «الوطنيين الأسكتلنديين» و«الوطنيين الويلزيين» وقادة «الحزب الديموقراطي» الليبرالي الموالي لأوروبا. مع ذلك، وضع المعارضون لائحة مطالب للتعاون، من بينها مناقشة تأجيل «بريكست» إلى ما بعد 29 آذار/ مارس واستبعاد أي إمكانية لـ«بركست» من دون اتفاق.

خطوة ماي تطلّبت رداً سريعاً من زعيم «المعارضة العمّالية» جيريمي كوربن الذي طالبها بالتخلّي عن «الخطوط الحمر» التي حددتها بشأن «الطلاق» إذا كانت تريد التحاور، فيما ردّ على خطابها، باتهامها بـ«المناوِرة». ودعا كوربن ماي إلى التباحث بجدية «بشأن طريقة التفكير بالمستقبل»، محذراً إياها من محاولة «ابتزاز النواب للتصويت مرة جديدة على اتفاقها المتسرع».
رأي كوربن توافق مع رأي صحيفة «ذي غارديان» البريطانية التي كتبت في افتتاحيتها، أمس، أن عرض ماي للحوار «يتجلى من دون دليل على استعدادها لتقديم تنازلات بشأن جوهر الاتفاق». ووصفت الصحيفة مبادرتها بأنها «تغيير جذاب في النغمة»، مستدركة بالقول إن «ليس لدى ماي المهارات الديبلوماسية اللازمة لجعل مثل هذه المشاورات مثمرة». ولفتت الصحيفة إلى أن ماي «متشبّثة بخطوطها الحمر»، في إشارة إلى رغبتها بالخروج من الاتحاد الجمركي الأوروبي بينما يريد «العمّال» البقاء فيه، إضافة إلى وقف حرية تنقّل المواطنين الأوروبيين.
في غضون ذلك، وسط تخوّف أوروبي من سيناريو «بريكست» من دون اتفاق، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب، إطلاق خطة مرتبطة بـ«بريكست» من دون اتفاق؛ لمواجهة احتمال يبدو أنه لم يعد «غير مرجّح» لخروج المملكة المتحدة من التكتل. وقال فيليب إن «مسؤولية حكومتنا هي أن يكون بلدنا مستعداً، وأن تكون مصالح مواطنينا محمية ويجري الدفاع عنها»، موضحاً بعد اجتماع مع عدد من الوزراء، أن «هذه الخطة التي أعدت منذ نيسان/ أبريل 2018 تتضمن إجراءات تشريعية وأخرى قانونية، تستهدف العمل على ألا يحدث انقطاع في مسألة الحقوق، وأن تكون حقوق مواطنينا وشركاتنا محمية فعلاً».

وضعت ماي جدولاً للمحادثات مع الأحزاب المعارضة


وفي الوقت الذي بدأت فرنسا العمل على خطة استباقية لحماية مصالحها، طرح بعض المحلّلين هذا السيناريو وغيره التي من المرجّح أن تذهب إليها المرحلة المقبلة. وفي السياق، توقّع جو واتس في مقال نُشر في صحيفة «ذي إندبندنت» عودة ماي إلى بروكسيل لمحاولة الحصول على المزيد من التنازلات، «ما دامت الهزيمة التي مُنيت بها لا تشل حركتها سياسياً». بالتزامن، توقع الكاتب أن «يسعى البرلمان لاستخدام سلطته للسيطرة على بريكست، وتحديد المسار المستقبلي»، مضيفاً أنه «قد يكون هناك تحرك لتمديد العملية المتعلقة بالمادة 50 للسماح بالمزيد من الوقت لتمرير التشريعات اللازمة، أو حتى إجراء استفتاء آخر». وعن سيناريوات ما بعد الهزيمة، قدّم واتس عدة احتمالات، أولها «إعادة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي»، معللاً ذلك «بوجود إشارات واضحة من بروكسيل إلى أنه ستكون هناك فرصة لإعادة التفاوض». ولفت واتس إلى أن هناك تقريراً عن إمكانية وجود فرصة لإعادة فتح اتفاقية الانسحاب وإجراء تعديلات على «الموقف الخلفي الإيرلندي»، مشيراً إلى أنه ليس من الواضح ما الذي على لندن أن تعطيه مقابل تغيير في «الموقف الخلفي»، على اعتبار أنه «لن يجري إعطاء أي شيء مجاناً». السيناريو الثاني بحسب واتس، هو «عرض الصفقة على مجلس العموم للتصويت ثانية»، وذلك بعد «حصول ماي على بعض التعديلات على الاتفاق، فضلاً عن أن تراجع الجنيه الإسترليني، واضطراب السوق المالية قد يعطيان ماي سبباً لعرض الاتفاق ثانية على أعضاء البرلمان، وطلب التصويت عليه لأجل المصلحة القومية». يلي ذلك سيناريو «الانتخابات العامة».
أما في ما يخص «البدائل» لصفقة ماي، فيرى الكاتب أن «استفتاء ثانياً» هو أحد الخيارات المطروحة، خصوصاً بعد توقيع أكثر من مليون شخص على عريضة طرحتها «ذي إندبندنت» لإعطاء الناس فرصة أخرى للتصويت على الخروج أو البقاء في التكتل. لكنه استدرك قائلاً إن «استفتاءً جديداً يجب أن يوافق عليه البرلمان، ولا يبدو أن في البرلمان غالبية تؤيد هذا التوجه، فمعظم المحافظين معارضون للفكرة». البديل الثاني هو «الخطة ب (النرويج)»، ليليه خيار «تمديد فترة المادة 50»، ثم «لا صفقة»، الذي بات الأقرب وفق المتابعين للملف البريطاني.