رسمت الولايات المتحدة وحركة «طالبان» الخطوط العامة لاتفاق ينهي الحرب المتواصلة منذ 17 عاماً، الأمر الذي أعلنه المبعوث الأميركي إلى أفغانستان زلماي خليل زاد، مؤكداً أن «من شأن الاتفاق أن يؤدي إلى انسحاب كامل للقوات الأميركية، مقابل وقف النار ومشاركة طالبان في مفاوضات مع الحكومة الأفغانية». تفاؤل خليل زاد لم يقابَل حتى الآن إلا بالصمت من «طالبان»، إذ لم تبدر أي إشارة إلى قبول الحركة بالمطالب الأميركية الرئيسية، مثل إجراء محادثات مباشرة مع حكومة كابول التي تدعمها واشنطن، والتزام وقف النار قبل انسحاب القوات، على اعتبار أن الحركة «تريد العكس»، وفق ما نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي.

وعلى رغم إشارات التقدم، التي تمثلت بعقد محادثات مباشرة بين الإدارة الأميركية و«طالبان» للمرة الأولى، بعد رفض الحركة المحادثات مع الحكومة الأفغانية على مدى نحو عقدين بوصفها «أداة أميركية»، فإن الاتفاق ليس قريباً كما يبدو، إذ إن نقطتي الخلاف الرئيسيتين يمكن أن تُخرجا العملية عن المسار. وبعد ستة أيام من محادثات جرت في قطر الأسبوع الماضي، تفاوتت تعليقات الصحافة الأميركية حيال النتيجة التي توصل إليها الجانبان. ففيما ساد جو من التفاؤل وإجماع على أهمية الاتفاق، إلا أن البعض آثر التشكيك والحذر.
في هذا السياق، تساءلت صحيفة «ذي نيويورك تايمز» عمّا إذا سينتهي الأمر بـ«المغادرين الأميركيين إلى تسليم البلاد للمسلّحين الذين حاربتهم لأعوام»، مشيرة إلى أن «انسحاباً متسرّعاً من شأنه أن يقوّض سلطة الحكومة الأفغانية وشرعيتها، ما يزيد من خطر استعادة طالبان السيطرة على البلاد». ورأت الصحيفة أنّ من الممكن أن «تنتقل الأمور في أفغانستان إلى حرب أهلية، حيث يحاصر مقاتلو طالبان كابول، كما فعلوا في التسعينيات»، ناقلة عن بروس ريدل، من معهد «بروكينغز»، قوله: «إنه (الانسحاب) مخاطرة كبيرة»، مضيفاً أن «دفع (الرئيس دونالد) ترامب باتجاه سحب القوات يزيد هذا الخطر»، في إشارة إلى سياسة ترامب وإصراره الدائم على تحقيق إنجازات، بغضّ النظر عن مآلاتها.

«ذي نيويورك تايمز»: الانسحاب المتسرّع سيقوّض سلطة الحكومة الأفغانية


وعلى رغم أن أمر خفض القوات الأميركية إلى النصف (الآن يوجد 14 ألفاً) سرّع المحادثات مع الحركة، فقد ذكرت «ذي نيويورك تايمز» أن ترامب ــــ على عكس سَلَفيه باراك أوباما وجورج دبليو بوش ــــ لم يزُر أفغانستان، ولم يبنِ علاقة مع الرئيس أشرف غني. كذلك، أبرزت الصحيفة مخاوف أخرى نقلتها عن مسؤولين لديهم سنوات من الخبرة في محاربة «طالبان»، تلخصت في كيفية تنفيذ الاتفاق وحماية «أولويات» واشنطن في مكافحة الإرهاب.
ومن هنا، جاء التشكيك في قدرة قوات الأمن والشرطة الأفغانية على مكافحة أي تهديد ينبعث «من القاعدة أو داعش، أو غيرها من الجماعات المتطرفة»، لتختتم الصحيفة بالإشارة إلى أن كبار مساعدي (مسؤولي) الأمن القومي حاولوا استخدام تقييم استخباري لإقناع ترامب بالإبقاء على قوات في البلاد. والتقييم، الذي يفيد بأن «الانسحاب سيتيح حرية لبعض الجماعات الإرهابية بأن تخطط لهجمات على أهداف غربية في غضون عامين»، كان قد أعدّ عام 2017، وجُدِّد آخر العام الماضي، وذلك بينما أشار وزير الدفاع السابق، جايمس ماتيس، إلى الفكرة ذاتها، قبل استقالته.
الأمر نفسه تكرّر في صحيفة «ذي واشنطن بوست»، التي رأت في افتتاحيتها، أمس، أن «هذا الاتفاق، لسوء الحظ، يبدو أنه حقق مكاسب للعدو (طالبان)»، مضيفة: «إذا تركت القوات الأميركية البلاد، فلن يكون هناك ضمان أن تنجو الحكومة والنظام السياسي اللذان أمضت واشنطن 17 عاماً في الدفاع عنهما بأغلى ما لديها». الصحيفة قالت إنه ما لم يُربط الاتفاق بتسوية شاملة، فإن انسحاب الأميركيين وقوات «حلف شمال الأطلسي» سيجعل الحكومة الأفغانية «ضعيفة للغاية». وفي رأيها، فقد كان الهدف من وراء رفع ترامب عدد القوات إلى 14 ألفاً عام 2017، «إجبار العدو على الاتفاق»، لكن «الآن، وبما أن المفاوضات جارية، يبدو الرئيس حريصاً على إنهاء المهمة».
في المقابل، نقلت مجلة «فورين بوليسي» عن الدبلوماسي الأميركي السابق ريان كروكر، قوله إن الاتفاق «خيانة للحكومة الأفغانية المنتخبة». وفي حوارٍ مع المجلة، قال كروكر، الذي قضى أكثر من أربعة عقود سفيراً لبلاده في أفغانستان والعراق وباكستان، إن هناك «مخاوف جلية»، مشيراً إلى أنه «حتى الآن، لم تجلس الحكومة الأفغانية إلى طاولة المفاوضات، وفق شروط طالبان، الأمر الذي ينزع شرعية الحكومة». بناءً عليه، رأى كروكر أن «طالبان لا تتفاوض من موقع ضعف»، بل سيطرت، خلال العام الماضي، على المزيد من الأراضي، «مع أنها ليست بالقوة الهائلة التي يصوّرها البعض». على جانب آخر، شكك كروركر في الضمانات التي «يعتقد» الأميركيون أنهم سيحصلون عليها، وقال: «لو انسحبنا كما نتحدث خلال جدول مدته 18 شهراً، سترى طالبان تتحرك وتستعيد السيطرة على الدولة».