بعد شهرين من التظاهرات ضد الحكومة الفرنسية، يسعى أعضاء من حركة «السترات الصفر» إلى الانتقال إلى العمل السياسي الحزبي. هذا الأسبوع، أعلن فريق منهم قائمةً قصيرة لمرشحين في الانتخابات البرلمانية الأوروبية المقبلة، تحوي عشرة أسماء، ويفترض أن تصل إلى 79 اسماً، وعلى رأسها إنغريد لوفافاسور، وهي معاونة صحية تبلغ من العمر 31 عاماً. وتضمّ القائمة أيضاً سائق رافعة شوكية وربة منزل. وفي حديث إلى تلفزيون «بي إف إم»، قال مسؤول الحملة، هايك شاهينيان: «نأمل تشكيل قائمة تشبه المواطنين، وتُظهر منذ اليوم الأول أننا مستقلون وغير متحزبين».

تأمل المجموعة أن يُترجَم الدعم الواسع لاحتجاجاتها، عبر المدن والبلدات على امتداد فرنسا، في شكل تأييد انتخابي. ووفقاً للأرقام التي أصدرتها أخيراً مؤسسة «إيفوب» لسبر الآراء وأبحاث التسويق، يعرّف 16 بالمئة من الفرنسيين أنفسهم بأنهم «سترات صفر»، ويتعاطف 40 بالمئة مع الحركة بشكل من الأشكال. ووجد الاستطلاع أن 7.5 بالمئة من المستجوَبين سيصوِّتون، افتراضياً، لمرشحين من «السترات الصفر» في الانتخابات الأوروبية. وخلص إلى أن هيمنة حزب «الجمهورية إلى الأمام»، الذي يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لن تتراجع. فعلى رغم الانتقادات التي واجهها هذا الأخير، والتي من بينها دعوة المحتجين له إلى الاستقالة، سيحوز حزبه 23 بالمئة من الأصوات، متقدّماً على زعيمة حزب أقصى اليمين، «التجمع الوطني»، مارين لوبان. لكن، ستقلّص مشاركة «السترات الصفر» دعم أحزاب منافسة أخرى.
ومع وجود سابقة انبثاق حزب ماكرون من العدم، إضافة إلى الحركة الشعبوية القاعدية التي وصلت إلى السلطة في إيطاليا، تُعدّ إمكانية بروز فصيل رسمي لـ«السترات الصفر» محتملة أكثر مما كانت عليه في أوقات أخرى، حتى في الماضي الأوروبي القريب. لكن بعض المحللين السياسيين يشككون في إمكانية انتقال حركة بمثل هذا الضعف التنظيمي إلى الفعل السياسي، ببنية قيادية واضحة ورسالة متناسقة تتجاوز مجرّد النفور من ماكرون، كذلك توجد انقسامات مهمة داخل الحركة حول خيارَي الانخراط في السياسة أو البقاء كقوة خارجية.
يطلق مرشحو «السترات الصفر» على أنفسهم «تجمّع المبادرة المواطنية». ويحوي هذا الاسم تشديداً على مقترح سنّ استفتاءات شعبية لتقرير السياسات الحكومية، والذي كان من بين كوكبة من المطالب التي أطلقها محتجو «السترات». وعلى نحو مماثل، تبنّت «حركة خمس نجوم» سياسة ديموقراطية مباشرة عبر الإنترنت. على غرار «السترات الصفر»، وُلدت «حركة خمس نجوم» عبر وسائط التواصل الاجتماعي، مستغلّة الغضب تجاه نخب البلاد السياسية والاقتصادية، ولم تعرّف نفسها، في البداية على الأقل، على أنها يمين أو يسار. بدأت الحركة، التي أسّسها كوميدي عام 2009، بالانخراط في السياسة الإيطالية، وتبوّأت المرتبة الثانية في انتخابات عام 2013، ثم صارت العام الماضي شريكة في التحالف الحاكم، وشكلت أول حكومة شعبوية بالكامل في أوروبا الغربية. هذا الشهر، عرض نائب رئيس الوزراء الإيطالي، والزعيم الحالي لـ«حركة خمس نجوم» لويجي دي مايو، المساعدة على «السترات الصفر»، وقال في رسالة مفتوحة لهم: «لا تتراجعوا!... نحن في السلطة، وقد اختفى أولئك الذين سخروا منا من المشهد السياسي». في الأثناء، يستخدم القادة الإيطاليون، ماكرون، كنقيض لهم. نهاية الأسبوع الماضي، ألقى دي مايو مسؤولية الهجرة المكثفة إلى أوروبا على النيوكولونيالية الفرنسية. أما وزير الداخلية، ماتيو سالفيني، الذي يرأس حزب «الرابطة» الحاكم مع «حركة خمس نجوم»، فوصف ماكرون بأنه «رئيس فظيع». لكن هل يمكن «الستراتِ الصفر» سلوك طريق «خمس نجوم»؟ يشير محللون سياسيون إيطاليون إلى اختلافات مهمة بين الحركة الفرنسية والمشروع الشعبوي الموجود في بلادهم. يقول ماسيميليانو باناراري، وهو مؤلف كتاب عن «حركة خمس نجوم»، إن «هذه الحركة العفوية (في فرنسا) شديدة التنوع، ذلك كافٍ للاحتجاج ضد شيء ما، لكنه غير كافٍ لبناء منظمة سياسية»، ويضيف: «قبل كل شيء، تحتاج الأحزاب السياسية، في هذه الحقبة ما بعد الحداثية، إلى قيادة قوية تتقن التواصل، ولا يمكن أن يكون للسترات الصفر هذا الصنف من القيادة. ليست لدعم ثقافة سياسية».
يتحاشى البعض من «السترات الصفر» السياسة بالمرة، حيث أثار إعلان قائمة مرشحين ردّ فعل معادياً في قنوات الحركة على وسائط التواصل الاجتماعي، شمل نقداً حاداً لما اعتُبر «تناقضاً» و«مفارقة». تقول بريسيليا لودوسكي، التي أطلقت عريضة على موقع «تشانج» ضد رفع ضرائب المحروقات خلال آذار/ مارس الماضي، أسهمت في دفع الغضب الجماعي وجعلتها أولى «السترات الصفر»، إن إنشاء بنية سياسية منظمة سيكون خيانة لروح الحركة. تأمل لودوسكي أن تتمكن «السترات الصفر» من التأثير في السياسة من دون الانخراط المباشر فيها، على نحو يشبه ما فعلته حركة «احتلوا وول ستريت» في الولايات المتحدة، فهي تريد محاسبة النخب وليس الانضمام إليها. في إشارة إلى قائمة المرشحين القصيرة، تتساءل الناشطة: «ما الهدف النهائي؟ الدخول في النظام؟ لست متأكدة من سلامة الفكرة».
تقول الخبيرة في أقصى اليمين الفرنسي، والمديرة التنفيذية لمركز التفكير «كاونتر بوينت»، كاترين فياسكي، إن هذا النوع من الانقسام بين أصوات تدعو إلى البقاء في شكل حركة، وأخرى تشدّد على استهداف السلطة، معهود في صفوف الحركات الاجتماعية الفتية: «هذا أمر كلاسيكي لدى الحركات الاجتماعية الجديدة... وهو من الأشياء التي فتّتت الخضر قبل وقت طويل من السترات الصفر». تضيف فياسكي أنها تتوقع أن يحصّل من اختاروا الانخراط دعماً أكبر مِمَّن اختاروا التركيز على الاحتجاج والتحريض على العنف. وتتابع، في إشارة إلى مبادرة ماكرون لعقد «نقاش وطني كبير» حول مستقبل فرنسا: «أولئك الناس المستعدون للمساهمة في النقاش الموسع... المستعدون لتقديم مرشحين، هم من سيعجب بهم الرأي العام ويدعمهم»، مشيرة إلى أن «الآخرين، حتى وإن لم يكونوا فاشيين، سيُنحّون جانباً، وسيسبّب لهم ذلك ضرراً كبيراً».
حتى الآن، تمثّل قائمة المرشحين، وإن كانت غير مكتملة، انتفاضة رمزية على الوضع السياسي الفرنسي القائم. مثّل انتخاب ماكرون عام 2017 حدثاً مفصلياً، حيث أدى إلى وفاة أحزاب وسط اليمين ووسط اليسار التقليدية، ودشّن حكم الحزب الواحد في فرنسا. وفي تحول غير مسبوق للأحداث، تحصّل الحزب الذي أسسه الرئيس المنتخب على الأغلبية المطلقة في البرلمان. تعرّض نواب ذلك الحزب، وكثير منهم مبتدئون في السياسة، إلى الاختطاف من طرف ماكرون، الذي حدّ، في نظر كثيرين، من قدرتهم على التشريع في استقلال عن قصر الإليزيه.
(عن «ذا واشنطن بوست»)