لندن | قضت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، جلّ وقتها في جلسات مجلس العموم، العامين الماضيين، تتلقّى الصفعات من المعارضة والطعنات من رفاقها في حزب «المحافظين» الحاكم. لكنها، على غير العادة، حظيت أخيراً بفرصة نادرة لتذوّق نصر حاسم مكتمل الأركان في جلسات هذا الأسبوع، بعدما نجح «المحافظون» وحلفاؤهم من اليمين الإيرلندي الشمالي في التوحّد بصلابة وراء الخط الأيديولوجي لليمين ومصالحه الطبقية الضيّقة في كل تصويتات مجلس العموم المتتالية، سواء تلك الملزمة منها (مثل قانون الهجرة) أو الاستشارية (حول العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ــ «بريكست»)، بينما بدا أن المعارضة، بقيادة حزب «العمّال»، فقدت القدرة تماماً على التأثير في عملية صنع القرار السياسي للحكومة، أو حتى القدرة على توحيد مواقف نوابها أثناء التصويت على مشاريع القوانين أو الاستشارات حول «بريكست»، وهو ما انتهى بالمحسوبين منهم على تيار طوني بلير اليميني إلى الاصطفاف مع رفاقهم الأيديولوجيين في الطرف الحاكم، ودائماً ضد مصالح البلاد، وتحديداً ضد مصالح الطبقة العاملة، في تحدٍّ صريح لتوجيهات جيريمي كوربن وقيادة الحزب.

ماي، ومن أجل أن تحظى بنصرها هذا، كانت قد قدّمت لعتاة اليمين تنازلاً مهماً في شأن نقطة الحدود الفاصلة بين إقليم إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا (وهي مسألة مفصلية في مشروع اتفاق ماي مع الاتحاد الأوروبي)، عندما قبلت أن تواجه المفوضية الأوروبية من جديد في شأن تنظيم نقطة الحدود تلك، متسلّحة هذه المرة بتفويض البرلمان. كذلك فإنها لا بدّ استفادت من مناخ الخوف الذي يملأ فضاء لندن هذه الأيام، خشية مرور الشهرين الأخيرين قبل الموعد المقرر لسريان انتهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد من دون التوصل إلى اتفاق ما، الأمر الذي يهدد بوقوع أزمات لوجستية وقانونية واقتصادية غير مسبوقة. وعلى الرغم من أن توحّد الحزب الحاكم وراء ماي كان بالفعل على حساب خطتها الشخصية لـ«بريكست»، وهي التي خاضت من أجلها صراعات عاتية مع المعارضة، فإن الرئيسة العتيدة بدت وكأنها معنية بالاستمرار في منصبها لغاية عام 2022، موعد الانتخابات العامة العادية المقبلة، أكثر بكثير من اهتمامها بتفاصيل الطلاق مع أوروبا، وبأن هاجسها و«المحافظين» منع تولي حكومة يسارية برئاسة جيريمي كوربن السلطة مهما كان الثمن، حتى ولو كلّف ذلك البلاد كساداً اقتصادياً عظيماً آخر.

أسبوع ماي السعيد فشل حاسم لسياسة «العمّال» والمعارضة عموماً


«المحافظون» لم يكتفوا بتدعيم موقف ماي في شأن «بريكست»، إذ إنهم كانوا قد سبقوا تلك المداولات بتمرير قانون جديد للهجرة مثير للجدل، يُعدّ وفق المراقبين بمثابة لطمة كبرى للطبقة العاملة، في الوقت الذي بدا فيه موقف حزب «العمّال» تجاه مشروع القانون مفتّتاً ومتناقضاً ومن دون استراتيجية تصويت واضحة، مع أن كوادر عليا في الحزب كانت حذرت بشدة من مفاعيله، وهاجمت الحكومة من أجله. لكن نجاح الحكومة في تمرير هذا القانون، ومن بعده التفويض الصريح الذي حصلت عليه رئيستها في شأن إعادة التفاوض مع بروكسل ــ مقرّ المفوضية الأوروبية ــ على ملف نقطة الحدود الخلفية بين شطرَي إيرلندا، لا يجب أن يدفعا أحداً إلى الاعتقاد بأن العاصفة السياسية التي تعيشها البلاد تتجه إلى الهدوء، أو أن «المحافظين» باتوا يسيطرون تماماً على دفة قيادة سفينة «التايتانيك» البريطانية، وأنهم سيقودونها منفردين إلى برّ الأمان. إذ إن الطبقة العاملة باتت على قناعة بأن النخبة السياسية (يميناً ويساراً) تتلهى بألعاب الديمقراطية الزائفة ونقاشات البرلمان السفسطائية، بينما يخسر «العمّال» من مكتسباتهم القانونية والاجتماعية، وتتهددهم مفاعيل عدم الاتفاق على «بريكست» بأوقات عصيبة سيكونون أول من يدفع ثمنها. وهم لم تبقَ عند أكثريتهم أوهام بأن البرلمان البريطاني بصيغته الحالية قادر على حمايتهم في وجه الحرب الطبقية والعنف البطيء الممنهج الذي تمارسه عليهم السلطة المغرقة في نيوليبراليتها، أو أن الدولة العميقة ستسمح بوصول ذئب اشتراكي بقوة جيريمي كوربن لـ «10 داوننغ ستريت» (مقرّ الحكومة في لندن). من الناحية الأخرى، إن ردود أفعال الفرقاء الأوروبيين بشأن مسألة فتح باب التفاوض في شأن نقطة الحدود الخلفية كانت مبكرة وسريعة وحاسمة في رفض التورط في مفاوضات جديدة بالكامل، ولا سيما أن الاتحاد بات متيقّناً من حتمية خروج بريطانيا القريب من عهدته، وليس يعنيه إغضاب إيرلندا وإسبانيا وغيرهما عبر تقديم أي تنازلات إضافية لماي.
كل ذلك إذاً يجعل من أسبوع ماي السعيد هذا فشلاً حاسماً لسياسة حزب «العمّال»، والمعارضة عموماً، أكثر منه نجاحاً لـ«المحافظين»، مهما انتشت رئيسة الوزراء وأحسّت باستعادة السيطرة على قمرة القيادة من جديد. فالرئيسة، إذ تعود إلى بروكسل بمزيد من المطالبات التي ستواجه على الأغلب حائطاً مسدوداً، تعلم أن موضوع الخروج بلا اتفاق في 29 آذار/ مارس يصبح بشكل متزايد في حكم المؤكد، من دون أن تمتلك الدولة البريطانية الإمكانات والتحضيرات الكافية للتعامل مع نتائجه، وذلك في الوقت الذي تأكد فيه فشل الخيار الاستراتيجي لحزب «العمّال»، بالانتظار السلبي ترقباً لاحتراق حزب «المحافظين» من الداخل نتيجة التناقضات الشخصية العديدة بين أفراده وتباين وجهات نظرهم (المعلنة) حول «بريكست»، وهو خيار مكّن الحزب الحاكم من التشبث بالسلطة، مستنداً إلى أغلبية هشّة لكنها كافية ــ عند توحده ــ، بينما سبّبت خسارات متتالية ومتراكمة للطبقة العاملة.
حزب «العمّال» اليوم بحاجة للخروج من صندوق الديمقراطية البرلمانية المغلق، وفتح آفاق جديدة لمواجهة أشمل مع اليمين تمنح الطبقة العاملة الفرصة لتصحيح مسار الأحداث قبل أن تتفاقم إلى أزمة كبرى، وهو الآن أمر لم يعد خياراً فحسب، بل ضرورة وحتمية تاريخية. لكن المناخ داخل الحزب لا يعطي شعوراً بالثقة لتولّي القيادة من خارج البرلمان، إذ إن الخلافات بين يمين الحزب ويساره، فضلاً عن الخلافات بين دكاكين اليسار داخل الحزب وخارجه، لا يمكن ردمها في وقت قريب، بينما ساعة العد التنازلي لـ«بريكست» تشير إلى أقل من ستين يوماً، وهي فترة ليست كافية لتبني خيارات راديكالية لنقل اللعبة إلى الشارع.
بدون ارتقاء «العمّال» لهذا الدور، فإنهم سيكونون أمام التاريخ والطبقة العاملة مجرّد شركاء سلبيين لحزب «المحافظين» الحاكم، الذي يستمر متفرداً بالسيطرة الأيديولوجية على دفة البلاد، وهي تتجه بثقة عجيبة نحو الكارثة المحتمة.