لم تمضِ سوى بضع ساعات على إعلان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، تعليق التزام بلاده بمعاهدة «الصواريخ النووية المتوسطة المدى»، اعتباراً من السبت الماضي، بعد اتهامه روسيا بخرق المعاهدة وتجاهل النداءات الأميركية بهذا الشأن، حتّى جاء الرد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي اتخذ إجراءً مماثلاً، وتعهّد بالبدء بإنتاج صواريخ جديدة، أحدها أسرع من الصوت. وقال بوتين إن بلاده «ستعلّق التزامها بالمعاهدة المبرمة عام 1987 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق». ووفق الكرملين، فإن الرئيس أبلغ وزيرَي الدفاع والخارجية، سيرغي شويغو، وسيرغي لافروف، «الامتناع عن إجراء محادثات بشأن نزع الصواريخ النووية»، التي كانت محور المعاهدة، مع نظرائهم الأميركيين. وخلال اجتماع عقده مع الوزيرين، أشار بوتين إلى أن بلاده «ستبدأ بإنتاج صواريخ جديدة، من بينها صاروخ أسرع من الصوت»، مؤكداً أنه «لن يتم نشر الأسلحة النووية المتوسطة في الجزء الأوروبي من روسيا أو أي مكان آخر، إلّا إذا أقدمت واشنطن على ذلك». وتعليقاً على إعلان الرئيس الأميركي رغبته في إبرام معاهدة جديدة لنزع الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: «نحن لن نعرض مستقبلاً إجراء أي مفاوضات، وفي حال أراد هو (ترامب) ذلك فإننا سنكون مستعدين للرد على مبادرته».

من جهته، أعلن رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف، في تغريدة على «تويتر» أنه سيتم تخصيص أموال لـ«تمويل الأبحاث وتطوير أنواع جديدة من الأسلحة». وأضاف إن «الانسحاب الأُحادي الجانب للولايات المتحدة من المعاهدة، ومهما كان سببه، يفاقم الوضع في مجال الأمن الدولي والاستقرار الاستراتيجي» مشيراً إلى أنّ هذا الأمر لن يبقى «من دون رد». أما وزارة الخارجية الروسية، فقد اعتبرت أنها «بذلت أقصى جهودها لإنقاذ المعاهدة»، مشيرة إلى أن موسكو «لن تنشر أسلحة في أوروبا ومناطق أخرى لا تنتشر فيها حالياً صواريخ أميركية». بدورها، اتهمت وزارة الدفاع الروسية الولايات المتحدة باتخاذ قرار الانسحاب من المعاهدة «قبل سنتين من الاتهامات العلنية التي وجهت إلى روسيا بانتهاك المعاهدة». وفي بيان، قالت الوزارة إنه «منذ عام 2017، اتخذت واشنطن هذا القرار وبدأت أيضاً التحضيرات بهدف إنتاج صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى تحظرها المعاهدة».

أمر بوتين وزيرَي الدفاع والخارجية بالامتناع عن إجراء محادثات مع واشنطن


ومع تعليق البلدين العضوية في المعاهدة، التي تمنع نشر صواريخ بالستية يمكنها حمل رؤوس نووية بعيدة المدى، بدأت التحذيرات ـــ وخصوصاً الأوروبية ـــ من إعادة إطلاق سباق التسلّح الذي خاضته القوّتان إبّان الحرب الباردة، في تسعينيّات القرن الماضي. ورغم تأكيد بوتين أن موسكو «لن تنخرط في سباق تسلّح جديد مكلف»، إلّا أنه اتهم واشنطن بأنها تسعى إلى «إنهاكها (روسيا) اقتصادياً عبر سباق جديد للتسلّح».
وفي السياق، يرى الخبراء أن هذه الحادثة تشكّل فرصة للولايات المتحدة لتحديث ترسانتها النووية، وهو هدفٌ كانت واشنطن قد أعلنته قبل عام، حين نشرت سياستها النووية الجديدة في شباط/ فبراير الماضي، إذ صرّحت عن نيّتها تطوير سلاحين جديدين، في ما يعدّ انتهاكاً لبنود المعاهدة. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن المتحدث باسم «البنتاغون» قوله إنه «اعتباراً من السبت (أول من أمس) لم نعد ملزمين بالقيود المفروضة في المعاهدة». ووفق المتحدث، فإن ميزانية عام 2019 توفّر أموالاً لتطوير الجيل الجديد من صواريخ أرض ــــ أرض متوسطة المدى، مضيفاً: «نحن ما زلنا في مرحلة البحث».
ووفق أرقام نشرها «اتحاد العلماء المهتمين» الأميركي ـــ المناهض للسلاح النووي ـــ فإن حجم الترسانة النووية الأميركية ارتفع إلى 4600 سلاح نووي، منها 1740 منشورة وجاهزة للاستخدام في أي لحظة، و2922 مخزّنة. وتملك روسيا عدداً مساوياً من الرؤوس النووية، غير أن غواصاتها النووية في حالة سيئة، كما ظهر من خلال عدة حوادث أصابتها في السنوات الماضية. كذلك، فإن الصين التي تبحث عن تأكيد تفوقها العسكري في آسيا، مجهّزة بصواريخ متوسطة المدى. ووفق الخبراء، فإن 95% من الصواريخ الصينية «تخرق» المعاهدة فيما لو كانت الصين طرفاً فيها. إلا أن بكين أعلنت معارضتها انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، داعيةً موسكو وواشنطن إلى تسوية الخلافات في هذا المجال عبر الحوار. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية جينغ شوانغ، إن بلاده «تعارض الانسحاب الأميركي الأحادي الجانب من المعاهدة». وشدّد جينغ على ضرورة حل كل الخلافات والتناقضات، عن طريق الحوار والمباحثات.