«لو اتحد العرب لتغير كل شيء». لطالما وُضع اتحاد الأحزاب العربية التي تمثّل الفلسطينيين في الكنيست، كشرط لإحداث تغيير في الواقع المعيشي لهذه الأقلية في الأراضي المحتلة عام 1948. تحقق الشرط خلال انتخابات الكنيست العشرين، حيث قررت تلك الأحزاب خوض الانتخابات موحّدة من خلال «القائمة العربية المشتركة»، التي تضمّ «التجمع الوطني الديموقراطي»، و«الحزب الشيوعي الإسرائيلي - الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة»، و«الحركة الإسلامية - الشق الجنوبي»، إضافة إلى «الحركة العربية للتغيير»، علماً أن الأخيرة ليست حزباً ذا أيديولوجيا سياسية، وإنما مجرد قائمة انتخابية. وعلى رغم أن تمثيل المواطنين العرب ارتفع في الكنيست الحالي ليصبح هؤلاء القوة الثالثة من حيث عدد المقاعد البرلمانية، إلا أن شيئاً في واقعهم لم يتغير نحو الأفضل. على العكس من ذلك، ارتفعت وتيرة العنصرية، وتضخمت سياسة الاقتلاع الإسرائيلية، سواء بسنّ القوانين أو بالممارسة الفعلية، حتى بلغت ذروتها مع إقرار قانون أساس «القومية اليهودية للدولة»، والذي عبّرت الأحزاب العربية عن رفضها له بتمزيق نصّه خلال جلسة التصويت عليه، وكذلك بتنظيم تظاهرة مناهضة لإقراره في ميدان رابين في قلب تل أبيب.

لقد كان من شأن رفع نسبة الحسم (أي الحدّ الأدنى للأصوات الذي يخوّل حزباً ما الفوز بمقعد برلماني) من 2٪ إلى 3.25٪ (بموجب تعديل أُقرّ قبل انتخابات الكنيست عام 2015) أن يتسبّب بخسارة كلية للأحزاب الصغيرة؛ على اعتبار أنها لن تنجح في تخطّي تلك النسبة ودخول الكنيست. وانطلاقاً من ذلك، ارتفعت الأصوات المطالبة بالتوحّد على أساس «الهم الواحد والمصير المشترك». وعلى الأثر، تشكّلت «لجنة الوفاق» من الشخصيات والوجهاء الذين تولّوا التوسط بين مركّبات القائمة، للاتفاق على عدد المقاعد المخصّص لكل حزب، والتناوب على المقعدين الـ12 والـ13، وكذلك رئاسة القائمة.
لكن، وفي أعقاب حلّ الكنيست الـ20 قبل حوالى شهرين، قرر النائب أحمد الطيبي الانسحاب من «القائمة المشتركة»، وخوض الانتخابات بقائمة منفردة. «ضربته» غير المستغربة هذه جاءت بعدما كرّر مطالبه خلال السنوات الأربع الماضية بزيادة عدد المقاعد التمثيلية في القائمة لمصلحته، إضافة إلى ترؤسها، علماً أنه طوال عشرين سنة في الكنيست لم يتمكن من الفوز في أي انتخابات إلا بالتحالف مع قوائم أو مرشحين آخرين. في بيانه، قال الطيبي، الذي يُوصف بأنه «نائب استعراضي»، «(إننا) طلبنا من الأحزاب الثلاثة معنا في القائمة المشتركة (الجبهة والتجمع والإسلامية الجنوبية) منح الجمهور إمكانية الشراكة في تركيب القائمة وخطابها وتوجهاتها، وقد اقترحنا لذلك إمكانات عدّة... لكن طلبنا جوبه بالرفض». لم يتوقف كلام الطيبي عند هذا الحدّ، بل أضاف ما يمكن عدّه دليلاً إضافياً على الفجوات القائمة بين أحزاب «المشتركة»؛ إذ قال رئيس «العربية للتغيير» إن «(القائمة) المشتركة تعاني من تزعزع ثقة الشارع العربي بها، وتحتاج إلى تجديد خطابها وإعادة هيبتها»، مضيفاً أن «نوّاب العربية للتغيير (الطيبي والنائب أسامة السعدي) أثبتوا كفاءتهم وجدارتهم في خدمة الناس وتمثيلهم بشموخ»، ومعتبراً أنه «كان على الأحزاب التعامل بإيجابية مع التأييد الكبير لـ(العربية للتغيير)، وخطابها الاجتماعي الوطني لتعزيز (المشتركة)، وليس محاربة هذا الدعم الجماهيري».

لم يكن هناك أي تنسيق فعّال بين مركّبات «القائمة العربية المشتركة»


على هذه الخلفية، يمكن القول إن قرار الطيبي ـــ حتى لو استمر التحالف بين الأحزاب الثلاثة الأخرى ـــ ستكون له تداعياته السلبية، لجهة فقدان «القائمة المشتركة» مقعدين في انتخابات نيسان/ أبريل المقبلة، أي الوزن الذي تمثله «الحركة العربية للتغيير». كذلك، قد يؤثر قرار النائبين جمال زحالقة وحنين زعبي (كلاهما من حزب التجمع)، الانسحاب، في الناخبين، خصوصاً أن أنصار الحزب غير راضين عن المرشحين الجدد للانتخابات، علماً أن انسحاب زحالقة وزعبي ليس نتيجة خلافات سياسية، وإنما جاء ـــ وفق ما أعلنا ـــ «من أجل إتاحة الفرصة أمام مرشحين آخرين من الحزب، لا سيما أمام الجيل الشاب لتمثيل الأقلية العربية».
في ما يتصل بمرشحي «الحزب الشيوعي الإسرائيلي - الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة»، فقد جدد أعضاؤه وكوادره في انتخابات داخلية قبل أيام الثقة بالمرشحين أنفسهم (مع تغيير طفيف). وقد فاز برئاسة القائمة النائب أيمن عودة، وتلته في المقعد الثاني النائب عايدة توما - سليمان، وفي المقعد الثالث استُبدل عوفر كسيف، بالنائب اليهودي دوف حنين (الذي سُمي خلال الولاية الأخيرة بعضو النايلون لحصر طروحاته بقضايا البيئة وإعادة التدوير)، فيما اختير يوسف جبارين للمقعد الرابع، وجمال عساقلة للمقعد الخامس. وعلى إثر اختياره رئيساً لقائمة «الجبهة»، خاطب عودة أعضاء المؤتمر بالقول إن «هناك من يُخصْخص العمل السياسي» في إشارة إلى الطيبي الذي انسحب من القائمة، بدعوى أن استطلاعات رأي تبيّن أن «فلسطينيي الـ48 يفضلونه على غيره، وأنه إذا ما خاض الانتخابات بقائمة منفردة سيتمكن من الفوز بثلاثة مقاعد»، معتبراً أن «الاستطلاع الحقيقي هو الانتخابات، ولقد شهدت الانتخابات السابقة أكبر استطلاع شارك فيه نصف مليون ناخب، انتُخبت القائمة المشتركة لأننا كنا معاً، وحصلنا على أكبر تمثيل في تاريخ الكنيست».
أما «التجمع الوطني الديموقراطي» فاختار في انتخابات داخلية هو الآخر قائمته. وقد فاز الأمين العام الحالي للحزب، إمطانس شحادة، بالمقعد الأول. كما فازت الشابة هبة يزبك بالمقعد الثاني، بفارق بسيط في عدد الأصوات بينها وبين النائب الحالية في الكنيست نيفين أبو رحمون، فيما حلّ في المقعد الثالث الرئيس السابق للجنة القُطرية للسلطات المحلية مازن غنايم، ليأتي في المقعد الرابع محمد إغبارية، وفي المقعد الخامس وليد قعدان. النتائج تشير إلى أن «التجمّع» قد لا يخسر مقاعده البرلمانية، ولكنها تؤكد مرة أخرى أنه فقد ميزته كحزب كان له ذات يوم خطاب سياسي واضح، ومشروع مؤسساتي هادف تحت شعار «هوية قومية، مواطنة كاملة»، وكان له أيضاً قياديون أكفاء لفتوا أنظار العالمين الغربي والعربي إلى تلك الفئة المهمشة والمنسية من الشعب الفلسطيني الواقعة في قلب الاحتلال. ولعلّ أكثر ما يؤكد ذلك، وفق ما تفيد به مصادر «الأخبار»، هو أن «اختيار بعض الشخصيات جرى على أساس تصفية حسابات، وأيضاً لدوافع طائفية». وترى المصادر أن مشاركة «التجمع» مثلاً في تظاهرة «ميدان رابين» ضد «قانون القومية» تعكِس حالة من «التنازل» عن خطابه السياسي لمصلحة خطاب «الجبهة» المُهيمن على «القائمة المشتركة». وهو الخطاب المتماهي مع طروحات السلطة الفلسطينية. كذلك، فإن اختيار المرشح مازن غنايم للمقعد الثالث «لا يتناسب مع جوهر طروحات الحزب»؛ والسبب هو أنه عندما كان رئيس بلدية سخنين استأجر خدمات شركة أمنية إسرائيلية لقمع المتظاهرين خلال إحدى التظاهرات ضد السلطات الإسرائيلية، كما زار معزّياً إلى جانب رئيس «لجنة المتابعة»، محمد بركة، منزل الجنديين الدرزيين الإسرائيليين القتيلين، هايل ستاوي وكميل شنان.
في الصورة العامة، لم يكن هناك أي تنسيق فعّال بين مركّبات القائمة، بل كان ثمة على الدوام من يثبت أن هذه الشراكة مرحلية وستنتهي عاجلاً أم آجلاً، عن طريق طرح مشاريع قوانين لخفض نسبة الحسم مثلاً. ويضاف إلى خلافات أعضاء القائمة والتباينات في توجهاتها، أن غالبية المرشحين الحاليين ليست لديهم خبرة في العمل البرلماني؛ إذ لم يسبق لهم أن كانوا مساعدي برلمانيين، أو أعضاء كنيست. ولذلك، فإنه لا يُتوقع أن تُحدث هذه الأحزاب ومرشحوها أي فرق، سوى ربما في إضفاء مزيد من الشرعية على سلطة احتلالية تشرّع القوانين ضدهم!