يتعقّد المشهد في فنزويلا، حيث يصل التصعيد الأميركي ذروته. هذه المرة ليس عبر التصريحات، بل بالإجراءات على الأرض. إذ تضغط واشنطن بأقصى ما يمكن لكسب جولة المساعدات الإنسانية، التي تريدها حلقة في مساعي تقويض سلطة الرئيس نيكولاس مادورو، وتعويم رئيس البرلمان الانقلابي خوان غوايدو. وفيما يصرّ مادورو على رفض المساعدات الأميركية التي يسخر من كونها نزراً يسيراً مقارنة بالخسائر التي تجرّها العقوبات، فإن أحداث أمس على حدود البرازيل أثبتت إصرار الولايات المتحدة على تأجيج الساحة الفنزويلية، على رغم قرار كاراكاس القبول بالمساعدات الآتية من أوروبا عن طريق الأمم المتحدة. وهو ما حذرت منه موسكو، أمس، على لسان الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا، التي تحدثت عن أن «استفزازاً خطيراً، بتحريض من واشنطن وبقيادتها، يرتقب أن يحصل في 23 شباط/فبراير»، في تعليق على تحركات المعارضة لتسلم المساعدات عند الحدود الكولومبية، رغماً عن قرار الحكومة رفض دخول المساعدات الأميركية البلاد. وحذّرت الخارجية الروسية من أن خطط غوايدو لإدخال المساعدات عبر الحدود هدفها استدراج اشتباكات ستشكل «ذريعة مناسبة لشن عمل عسكري». وزادت زاخاروفا: «يبدو أنه ليس لدى واشنطن ما تحتفل به بالذكرى الخامسة للانقلاب في أوكرانيا، لذا فقد قررت تنفيذ انقلاب جديد»! من جهتها، قالت الخارجية الصينية إنه لا ينبغي «فرض» المساعدة الإنسانية على فنزويلا، وحذّر ناطق باسم الوزارة من أنه «إذا أدخلت ما تسمى بمواد إغاثة قسراً إلى فنزويلا، وتسببت في عنف واشتباكات، فستكون لذلك عواقب خطيرة. لا يرغب أحد في رؤية ذلك»، مجدداً رفض بكين التدخل العسكري والأفعال التي تسبب توترات أو اضطرابات.

وكان غوايدو غادر، الخميس إلى كولومبيا ليقود حملة تسلم المساعدات المكدسة هناك، واعداً بإدخالها اليوم (السبت) كموعد أخير. وقد كشف التوتر في قضية المساعدات، من جانب الحدود الجنوبية مع البرازيل التي أغلقتها الحكومة الفنزويلية، عن الأخطار المحتملة من الاستثمار في قضية المساعدات، إذ تردّدت أنباء عن مقتل امرأة على الأقل وجرح آخرين في المنطقة. وبحسب عمدة بلدة غران سابانا الفنزويلية الحدودية، إميليو غونزاليس، فإن مجموعة تنتمي لجماعة «بيمون» العرقية اشتبكت مع الحرس الوطني والجيش أثناء نقل الدبابات إلى الحدود مع البرازيل، بعد يوم على قرار الرئيس مادورو إغلاق المعابر الحدودية هناك. يأتي ذلك بالتوازي مع دخول حكومة البرازيل على خط الأزمة، وإرسالها طائرة محملة بالمساعدات إلى قاعدة بوا فيستا الجوية القريبة من الحدود.
وعلّق غوايدو على أحداث الحدود مع البرازيل، وكتب على صفحته في «تويتر»: «نتيجة هذه الجريمة: 12 مصاباً وقتيل واحد»، مضيفاً: «عليكم أن تختاروا أي طرف ستنحازون إليه في هذه الساعة الحاسمة». غوايدو الذي دعا قوات الأمن والجيش إلى عصيان أوامر الحكومة والرئيس مادورو، يواصل تحشيده لمواجهة موسّعة اليوم في الشارع، عمادها رهان جديد على إمكانية إحداث اختراق في ولاء القوات المسلحة، من باب المساعدات الإنسانية. وبدأت منذ أمس مواجهة حامية بين المعسكرين، وصلت ذروتها مع حفلين غنائيين منفصلين انطلقا عند الحدود مع كولومبيا، تحديداً على جانبَي جسر تيينديتاس (طوله 300 متر) الذي يربط كوكوتا الكولومبية (حيث تتكدس المساعدات الأميركية) بأورينا (ولاية تاتشيرا غرب فنزويلا). والجسر هو أحد المعابر التي ينوي غوايدو استخدامها لإدخال المساعدات، وهو مقفل الآن بإجراءات الأمن الفنزويلي. والحفل الأول الذي تردد أنه سيحضره رؤساء كولومبيا والتشيلي وباراغواي، نظمّه الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون، تحت عنوان «مساعدات فنزويلا ــ حفل مباشر»، وهدفه جمع 100 مليون دولار كتبرعات. والثاني في الجهة الفنزويلية من المنطقة لأنصار الرئيس مادورو ومعارضي التدخل الأميركي، حمل عنوان «ارفعوا أيديكم عن فنزويلا».