تواصلت نهاية الأسبوع ردود الفعل المستنكرة لحملة الاعتقالات التي طالت يوم الجمعة الماضي قرابة 30 أكاديمياً وقّعوا عريضة تدعو الحكومة التركية إلى إنهاء العملية العسكرية التي تشنّها في المناطق ذات الغالبية التركية، في جنوبي شرقي البلاد، وإلى رفع الحصار وحظر التجوال عن المدن والبلدات هناك.
وندّد الاتحاد الاوروبي، في بيان لمفوضية الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد، باعتقال الأكاديميين المذكورين، معتبراً الأمر «تطوراً مقلقاً للغاية»، ومعرباً عن أسفه «لمناخ الترهيب» الذي بات يعمّ البلاد. وقالت متحدثة باسم الاتحاد «إننا نكرر إدانتنا الشديدة لجميع أشكال الهجمات الإرهابية، بما في ذلك التي يشنّها حزب العمال الكردستاني»، لكنها أضافت أن «المعركة ضد الإرهاب يجب أن تحترم تماماً الالتزامات التي ينص عليها القانون الدولي... يجب ضمان حرية التعبير، ومناخ الترهيب مخالف لذلك». وأضافت المتحدثة أن الاتحاد «يتوقع أن تنفذ تركيا تشريعاتها وفقاً للمعايير الأوروبية».
ورغم الإفراج عن الأكاديميين الموقوفين في وقت متأخر من يوم الجمعة الماضي، إلا أنهم ما زالوا ملاحقين قضائياً. وتحقق النيابة في مناطق مختلفة من تركيا مع الموقّعين على العريضة، بتهمة نشر «دعاية إرهابية» و«التحريض على الكراهية والعداوة وخرق القانون»، وأيضاً «إهانة المؤسسات والدولة التركية»، وهي تهم تصل عقوبتها في حال الادانة إلى السجن حتى 5 سنوات. كذلك باشرت عشرات الجامعات إجراءات تأديبية بحق أكثر من 60 أستاذاً وباحثاً وقّعوا العريضة التي حملت عنوان «لن نكون شركاء في الجريمة»، والتي دعت أنقرة إلى وقف «المجازر المتعمدة وترحيل الاكراد وغيرهم من السكان من المنطقة». وكان قد وقّع العريضة كذلك عشرات الاكاديميين والمفكرين الاجانب، بينهم نعوم تشومسكي وسلافوي جيجيك وإيمانويل فالرشتاين.

رفع أهالي «الجزيرة» الرايات البيضاء ليخرجوا من منازلهم

وفي هذا السياق، أفادت مصادر أمنية بأن شرطياً وعسكرياً قُتلا أمس برصاص قناص، كذلك قُتل مسلحان كرديان في حوادث منفصلة في ديار بكر، كبرى مدن جنوبي شرقي تركيا. وأضافت المصادر أن شرطيين آخرين أصيبا بشظايا قنبلة بدائية الصنع خلال عمليات في منطقة «سور» في المدينة نفسها. وتخضع المنطقة المذكورة لحظر تجوال على مدار الساعة، منذ بداية كانون الأول الماضي، فيما تقصف قوات أنقرة المدن والبلدات الآهلة، بحجة محاولتها إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني منها. وتفرض القوات التركية حظر تجوال كذلك على مدينتي سيلوبي والجزيرة قرب الحدود السورية والعراقية منذ منتصف كانون الأول الماضي. ونقلت تقارير إعلامية عن هيئة أركان الجيش مقتل 135 من مقاتلي حزب العمال الكردستاني في سيلوبي و308 في الجزيرة و101 في سور منذ منتصف كانون الأول الماضي. وقال حزب الشعوب الديمقراطي، ذي الغالبية الكردية، إن عدد المدنيين الذين قتلوا في المناطق الثلاث المذكورة وصل إلى 97.
واستمرت العمليات العسكرية في مدينة «الجزيرة» يوم أمس، حيث قال شهود إن الأهالي رفعوا رايات بيضاء ليتمكنوا من الخروج من منازلهم، في الوقت الذي كانت فيه المدرعات تقتحم أحياءهم وتهدم المتاريس التي أقامها مسلحو حزب العمال، فيما سُمع دوي القذائف والرصاص. وأضاف الشهود أن طوابير تشكلت أمام المخابز في أجزاء أخرى من البلدة التي قُطعت المياه والكهرباء عن أغلب أرجائها. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد توعّد بمواصلة الحملة العسكرية حتى «اجتثاث» حزب العمال الكردستاني من المنطقة.
وفيما قال المدعي العام إن محكمة أمرت باحتجاز شخصين على ذمة التحقيق، للاشتباه في مشاركتهما في الهجوم بشاحنة ملغومة يوم الخميس الماضي على مركز للشرطة في ولاية ديار بكر، أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أعلن حزب العمال الكردستاني يوم أول من أمس مسؤوليته عن التفجير، لكنه اعتذر عن سقوط قتلى مدنيين في الهجوم. «من الواضح أنه لا يمكن أبداً استهداف مدنيين، طبقاً للنهج العام والاهداف السياسية لحزبنا؛ وقوات الامن كانت هدف هذه العملية»، جاء في البيان الذي جاء فيه أنه «رغم جهودنا لعدم قتل مدنيين، نودّ أن نعرب عن حزننا لسقوط العديد منهم، ونقدم التعازي إلى أسرهم»، متوعّداً بمواصلة استهداف قوات الامن.
وفي سياق آخر، كان لافتاً إعادة انتخاب كمال كيليتشدار أوغلو رئيساً لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، بعد خسارة الحزب الكبيرة في الانتخابات النيابية المبكرة التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم، وما نتج منها من احتجاج داخلي في الحزب المعارض.
وخلال مؤتمر في أنقرة، حصل كيليتشدار أوغلو، المرشح الوحيد للمنصب، على أصوات 990 من 1238 مندوباً، رغم خسارة الحزب في كل الانتخابات منذ انتخابه رئيساً للحزب عام 2010. وفي الانتخابات النيابية الأخيرة، في الاول من تشرين الثاني الماضي، حاز حزب الشعب الجمهوري 25% من الأصوات، بفارق كبير عن حزب العدالة والتنمية، الذي حاز 49% من الاصوات، مستعيداً الغالبية البرلمانية التي خسرها قبل 5 أشهر، في انتخابات سابقة.
وفي كلمة ألقاها السبت أمام أنصاره، وجه كيليتشدار أوغلو انتقادات حادة الى السياسة الخارجية للدولة، مندّداً بـ«سياسة التسلط» التي تعتمدها الحكومة، وباعتقال الأكاديميين خاصة، واصفاً أردوغان بالـ«ديكتاتور» الذي يسحق الحريات في البلاد.

(الأخبار، أ ف ب، رويترز)