احتلّ اختراق هاتف رئيس حزب «أزرق أبيض»، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، الجنرال بني غانتس، صدارة الاهتمام في الكيان العبري، وبات قضية مركزية في التنافس الانتخابي الذي تتحول معه القضايا الأمنية إلى مواد سجال سياسي وإعلامي.

وما فاقم خطورة هذا الحدث الأمني، كما أكدت تقارير إعلامية إسرائيلية، أن الاستخبارات الإيرانية هي التي نفذت العملية السايبيرية، وحصلت من خلالها على معلومات يتمحور البحث حول مضمونها وخطورتها. وقد عكس السجال المندلع على خلفية القضية، حضور إيران، ليس كدولة تحتلّ رأس التهديدات المحدقة بالأمن القومي الإسرائيلي فقط، من منظور القادة السياسيين والعسكريين في تل أبيب، بل تدْخل في تفاصيل السجالات الانتخابية والسياسية الإسرائيلية.
اللافت أنه أُعلن أيضاً أن عضواً واحداً في المجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، على الأقلّ، أُبلغ قبل أسابيع بمحاولات اختراق لهاتفه الخلوي، لكن ليس من الواضح إلى أي حد نجح المهاجمون في سرقة معلومات منه، كما ليس من المعلوم حتى الآن الجهة التي تقف وراء عملية الاختراق، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات أوسع نطاقاً، الأمر الذي سبق أن حذر منه رئيس جهاز «الشاباك»، نداف أرغمان، مطلع السنة الجارية، حينما قال إن «دولة أجنبية تنوي التدخل في الانتخابات في إسرائيل» (في 9 نيسان/ أبريل المقبل). وذكر أرغمان، خلال كلمة آنذاك في مؤتمر في جامعة تل أبيب، أن التدخل قد يجري عن طريق هجمات إلكترونية، مؤكداً أن ذلك «سيحدث بالفعل... أنا أعرف عمّا أتحدث».
منبع التأثير الاستثنائي لهذا الاختراق يعود إلى كون الهاتف، الذي أفاد «الشاباك» بأنه سُحبت كلّ المعلومات منه، هو لرئيس أركان سابق (غانتس)، ورئيس حزب مرشح لرئاسة الحكومة، وبالحدّ الأدنى لمنصب وزارة الأمن. إذ إنه موقف قد يُضعف مكانته لدى الجمهور الإسرائيلي، الذي ينظر بخصوصية إلى الجنرالات. وما يعزز ذلك الاتجاه في التأثير، كما يراهن خصومه في اليمين، هو اتهام غانتس بالتقصير. هنا، يرى معلقون أمنيون أنه «في حال كان هناك مواد حساسة حقاً، فهذا يدل على (سوء) تقدير، لأن هذا الشخص الذي كان رئيس هيئة الأركان العامة يعرف بالتأكيد أي قدرات للدولة على اختراق الهواتف وسرقة المحتويات، وإذا وضع مثل هذه المواد على هاتفه فهذا يعني على الأقل أنه أخطأ على نحو خطير».

أُعلن أيضاً أن عضواً في «الكابينت» أُبلغ بمحاولات اختراق هاتفه


في المقابل، حذّرت بعض التقارير من أن الحصول على معلومات خاصة يمكن أن يُستخدم في ابتزاز غانتس لاحقاً، بعد أن يكون قد تولى منصباً حساساً إثر الانتخابات، وهو احتمال ربما يؤدي، في نظر معلقين إسرائيليين، إلى إضعاف الرجل وحظوظه في الانتخابات. أما وجه التأثير الآخر المحتمل، فيتمثل في انعكاس هذا الإعلان داخل «أزرق أبيض»، وخاصة أن «الشاباك» سبق أن أبلغ غانتس بالاختراق قبل أن يشكل تحالفاً مع رئيس «يوجد مستقبل»، يائير لابيد، ويبدو أنه أخفى ذلك عنهم، ما شكل نوعاً من الإحراج له، لكنه حاول تبريره، رداً على سؤال وُجه إليه، بالقول: «ليس لهم علاقة بهذه القصة... وهذا أمر أمني محلي. لا أريد الخوض في الأمن، ولا أنوي حرق مصادر، ولا أنوي الانشغال بهذه الأمور عبثاً».
مع ذلك، لا يعني كلام رئيس الأركان السابق أنه لن يكون لهذا الحدث مفاعيله الداخلية في «أزرق أبيض»، ولو لاحقاً، بل يُتوقع أنه مع أي محطة خلاف داخلي، أو نكسة انتخابية، ستحضر هذه القضية بالذات. لكن غانتس حاول أن يضع القضية في سياق المنافسة الانتخابية، فرأى أنه يدفع «أثماناً قاسية وأكثر قسوة»، مضيفاً: «أعرف أنني ألعب مع أشخاص قواعدهم الأخلاقية في الحضيض، لكن إسرائيل أهمّ لي من هذه التفاهات».
من جهته، لم يترك رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الساحة الإعلامية لخصومه، فدخل على الخط بقوة من زاوية نفي أن يكون هو وراء تسريب معلومات «الشاباك»، أو أنه «استخدم معلومات أمنية حساسة للتشويه والإساءة إلى غانتس»، واصفاً ذلك بأنه «محاولة من لابيد وغانتس لتشويه حقيقة أن النظام في إيران يدعمهم علناً»، وأنهم أيّدوا الاتفاق النووي مع إيران بينما كان هو ينشط ضده. وذكر نتنياهو، في بيان صادر عن مكتبه، أن «الشاباك لم يبلغه باختراق الاستخبارات الإيرانية لهاتف غانتس»، مشيراً إلى تغريدة للصحافي عميت سيغال، الذي بلغ عن الاختراق.
مع ما سبق، يبقى لاختراق الاستخبارات الإيرانية، هاتف غانتس، بعدٌ أكثر أهمية في المعركة السايبيرية بين طهران وتل أبيب، وهي الأكثر حضوراً لدى الأجهزة الأمنية لدى الأخيرة، وفيها تقدم على أي أبعاد داخلية وانتخابية، وخاصة أنها تأتي بعد إدانة الوزير السابق غونين سيغيف، والحكم عليه بالسجن الفعلي 11 عاماً بتهمة «التجسس الخطير للاستخبارات الإيرانية»، ثم منع نشر أي معطيات عن مضمون المحاكمة التي جرت في جلسة مغلقة نتيجة لخطورة القضية وما تضمنته من معلومات.