باستثناء غزوها لغرانادا في 1983، ولبنما في 1989، اعتمدت الولايات المتحدة الحرب المنخفضة التوتر نمطاً رئيسياً لتدخلاتها العسكرية في بلدان وسط القارة الأميركية وجنوبها. اختلفت مستويات هذا التدخل وأساليبه من بلد إلى آخر. ففي بعض هذه البلدان، ومنذ أربعينيات القرن الماضي، اكتفت واشنطن بدعم جيوش النظم الحليفة وأجهزة أمنها، وتدريبها على تقنيات مكافحة التمرد لمواجهة الحركات الثورية الناشطة في تلك الحقبة. وهي أنشأت لهذه الغاية «معهد الأميركيتين للتعاون الأمني»، أو «معهد بنما»، الذي أداره الـ«بنتاغون» مباشرة عام 1946 في بنما، قبل نقله إلى فورت بينينغ في الولايات المتحدة عام 1984. خرّج هذا المعهد مئات الضباط من مختلف دول أميركا الوسطى واللاتينية بعد تلقيهم التدريب العسكري، وتعبئتهم أيديولوجياً ضد الحركات اليسارية والوطنية، ونظّم عدد منهم انقلابات عسكرية في بلدانهم الأصلية بتشجيع أميركي. ومما يجدر ذكره، أن عقيدة مكافحة التمرد، التي لُقِّنَها هؤلاء الضباط على مدى عقود، استندت إلى تجارب الحروب الاستعمارية للجيشين الفرنسي والبريطاني ضد حركات التحرر الوطني في الهند الصينية والجزائر وماليزيا، وكذلك إلى تجربة الجيش الأميركي في حرب فيتنام فيما بعد. المهم أن هذه العقيدة تفترض أن الشرط الرئيسي للانتصار على الحركات الثورية، «التي تتحرك كالسمكة في الماء بين السكان»، ترويع الأخيرين بجميع الوسائل المتاحة، لتطويعهم ودفعهم إلى الانقلاب عليها.

تحولت بلدان وسط القارة وجنوبها آنذاك إلى مختبر حقيقي للحرب القذرة الأميركية، وما تخلّلها من استخدام مرعب ومنهجي لأساليب التعذيب واللجوء المتكرر إلى عمليات القتل الجماعي والاغتيال والخطف والإخفاء القسري للمعارضين. هذا في دول كانت نظمها حليفة للولايات المتحدة. أما في تلك التي وصلت فيها حركات وطنية إلى السلطة، وأبرزها نيكاراغوا، فقد قادت واشنطن حرباً بالوكالة، شارك فيها خبراؤها وبعض من قواتها الخاصة إلى جانب عصابات الكونتراس ضد الحكومة الساندينية. بدأت هذه الحرب عام 1978 عند انتصار الساندينيين، واستمرت نحو 12 سنة، استُنزفت خلالها نيكاراغوا بشرياً ومادياً، حتى خسارتهم الانتخابات في 1990 في مواجهة مرشحة اليمين المدعومة أميركياً، فيوليتا شامورو. لا شك في أن تعيين إليوت أبرامز، أحد رموز تلك السياسة الأميركية حيال وسط القارة وجنوبها، في منصب المبعوث الخاص لفنزويلا، يشي بطبيعة الاستراتيجية التي تعتمدها واشنطن حيال هذا البلد. لكن نجاحها أو فشلها يرتبطان بمدى تماسك الكتلة المؤيدة للنظام الوطني داخلياً، وبمواقف دولية معارضة جدياً لها.

مختبر جديد للحرب الهجينة
بحسب موقع «ميليتاري تايمز»، لم يخف ترامب عند وصوله إلى السلطة في 2017 احتمال لجوء إدارته إلى تدخل عسكري في فنزويلا. وهو رأى، في أيلول الماضي، «أن هذا النظام يمكن إسقاطه بسرعة من قِبَل العسكريين إن قرروا ذلك». أرسلت الإدارة إشارات أخرى عن إمكانية الذهاب إلى هذا الخيار: تعمّد إظهار مستشار الأمن القومي، جون بولتون، أمام وسائل الإعلام لدفتر كُتب عليه «5000 من القوات إلى كولومبيا»، وقرار وزير الخارجية، مايك بومبيو، مغادرة جميع الدبلوماسيين الأميركيين لفنزويلا، لأن «بقاءهم بات عقبة أمام السياسة الأميركية» بحسب تعبيره. لكن بعض الخبراء، ومنهم عسكريون سابقون، غير مقتنعين بسهولة تبني مثل هذا القرار. ريبيكا تشافيز، عضو «معهد الحوار بين الأميركيتين»، رأت في شهادة أمام الكونغرس أن اجتياح فنزويلا يتطلب مشاركة ما بين 100000 و150000 من القوات الأميركية التي ستواجه 356000 من القوات الفنزويلية، في بلد مساحته ضعف مساحة العراق. وأكدت تشافيز أن الحرب «ستكون طويلة وبشعة، وستوقع خسائر بشرية ضخمة».
استعادة السيطرة على وسط القارة وجنوبها، التي تتدفق إليها الاستثمارات الصينية ويتسلل إليها النفوذ الروسي، أصبحت من الأولويات بالنسبة إلى إدارة ترامب. يفترض ذلك إسقاط الأنظمة الوطنية فيها، وفي طليعتها النظام في فنزويلا، البلد الذي يحتوي على أحد أهم مخزونات النفط في العالم، في سياق دولي يستعر فيه الصراع على الموارد بين القوى الكبرى. من البديهي أن هذه الإدارة الهوجاء، التي تقود إمبراطورية متراجعة، تسعى إلى السطو على مقدّرات الحلفاء والخصوم على حد سواء لوقف هذا التراجع، وهي ستمضي قدماً في سياستها العدوانية تجاه فنزويلا. إلا أن خيار الاجتياح العسكري المباشر سيجد معارضة واسعة داخل الرأي العام الأميركي، بما فيها قطاع كبير من مؤيدي ترامب. فغالبية الأميركيين بعد تجارب أفغانستان والعراق لم تعد مستعدة لتأييد مغامرات عسكرية خارجية طويلة ومكلفة وغير مرتبطة بمواجهة تهديد وجودي لبلادهم. لا تستطيع الإدارة، مهما بلغت حماقتها، أن تتجاهل هذا المعطى عندما تبلور سياساتها الفعلية حيال فنزويلا. ولن يوافق ترامب على مغامرة عسكرية واسعة تنعكس نتائجها سلباً على معدلات شعبيته وحظوظه في الفوز برئاسة ثانية.

صمود فنزويلا في مواجهة هذه الحرب مشروط بمدى استعداد الصين وروسيا لدعمها


لذلك، من المرجح أن يكون خيارها الحقيقي الاستمرار في الحرب الهجينة التي بدأتها، مع احتمال قيام قواتها بعمليات عسكرية محدودة وموضعية إلى جانب مجموعات معارضة فنزويلية. حركة المعارضة الفنزولية الاحتجاجية تدار من واشنطن، التي تؤمن لها الدعم السياسي والإعلامي والمادي. وهي باشرت، عملياً، شنّ عمليات تخريب سيبرانية أدت أخيراً إلى تعطيل الكهرباء في البلاد. قد تتبع هذا الأمر العودة إلى «النموذج النيكاراغوي»، أي تشكيل مجموعات مسلحة عند الحدود الكولومبية ـــ الفنزويلية للشروع في حرب استنزاف وعمليات إرهابية، تستهدف الجيش والشخصيات السياسية والقوى الموالية للنظام، بمساهمة من قوات خاصة أميركية. مثل هذه الاستراتيجية التي تتضمن استخدام أدوات عسكرية وأمنية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية واقتصادية وسيبرانية ستكون كفيلة، بنظر الإدارة، بشقّ صفوف الكتلة الموالية للنظام، ودفع قطاع من الجيش إلى الانقلاب عليه.
هذا هو الرهان الأميركي غير المعلن باعتقاد فلتون أرمسترونغ، المحلل السابق في الاستخبارات المركزية، الذي يصرّ على أن الإدارة «تحاول تحفيز العسكريين الفنزويليين على الانقلاب على مادورو وإسقاطه. وعندما يلجأ المدنيون اليائسون إلى الجيش طلباً للخلاص، فإنه في العديد من الحالات لا يرفض ذلك». ويشير أرمسترونغ إلى أن الولايات المتحدة قد تستغل أزمة اللاجئين على الحدود مع كولومبيا للتدخل «الإنساني» في تلك المنطقة، بذريعة إنشاء ممر آمن للمدنيين، وتوفير المساعدات لهم من أجل تشجيع الجيش على إطاحة النظام، لأنه عرّض السيادة الوطنية للخطر. وهو يؤكد أن إليوت أبرامز، صاحب السجل الحافل في الإشراف على عمليات خاصة في هذه المنطقة من العالم، لن يتردد في اعتمادها مجدداً في المواجهة الراهنة.
تتعرض فنزويلا لحرب قذرة غايتها تأجيج انقساماتها الداخلية لحمل الجيش على القيام بانقلاب عسكري. حتى الآن، من الجلي أن المؤسسة العسكرية تدعم النظام، وأن كتلته الشعبية الموالية ملتفة حوله. لكن صمود البلاد في مواجهة هذه الحرب والاستنزاف الذي يصاحبها، مشروط بمدى استعداد الصين وروسيا لدعمها، ولمعارضة أي تدخل أميركي بحزم. مصلحة البلدين تفترض وقوفهما إلى جانب فنزويلا في مواجهة سياسة «تغيير الأنظمة» المضرة بمصالحهما في جنوب القارة الأميركية، كما في مناطق أخرى من العالم.