وصل مأزق «بريكست» بين البرلمان البريطاني والحكومة إلى درجة كبيرة من الغموض، حتّى إنه بات من غير الواضح كيف ومتى سيتم الخروج، أو إذا كانت هذه الخطوة ستحدث من الأساس. وفي آخر المستجدات، تدرس تيريزا ماي إمكانية طرح الاتفاق، الذي هُزم ثلاث مرات في مجلس العموم، لمرة رابعة على المجلس ذاته، وسط توقعات بخيبات أمل جديدة.

لم يحل رفض البرلمان الثالث لاتفاق رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، دون تفكيرها بإعادة طرحه للتصويت، ما ينبئ باستفحال المشكلة التي وقعت فيها البلاد، منذ أكثر من عام. ورغم وعود ماي بالاستقالة إذا كانت نتيجة التصويت سلبية، إلّا أنّ مصادر بريطانية تحدّثت عن أنها تدرس إمكانية إعادة طرح الاتفاق على التصويت للمرة الرابعة داخل مجلس العموم، بهدف تفادي مأزق خروج بلادها من الاتحاد من دون اتفاق، الأمر الذي يُقلق شريحة كبيرة من نواب «المحافظين».
واليوم، يجتمع البرلمان البريطاني للتصويت على خيارات مختلفة لاتفاق الخروج، قد تضمن إمراره في الطرح الرابع، من بينها وجود ضمانات بشأن علاقات اقتصادية أوثق مع الاتحاد الأوروبي بعد «بريكست». وتتطلّب هذه الخيارات دعم غالبية من مختلف الأحزاب في البرلمان. رغم ذلك، لا تزال الحكومة تعارض مراجعة استراتيجيتها بشأن الخروج، الأمر الذي أكدته ماي، الجمعة، معتبرة أن «أي خيارات تستلزم أولاً الموافقة على الاتفاق الذي يتضمّن تفاصيل الطلاق بين لندن وبروكسل». وبعد حالة التخبط التي يعيشها «بريكست» على إثر انهيار استراتيجية ماي للانسحاب، باتت الأخيرة تحت ضغوط من خصومها للخروج من دون اتفاق، أو الاتجاه للانتخابات، أو إبرام اتفاق خروج أخفّ بكثير. وفي هذا السياق، نقلت شبكة «بي بي سي» عن رئيس «المحافظين» براندون ليويس، قوله: «نعتقد أنّ أفضل طريقة لاحترام الاستفتاء هي إمرار الاتفاق»، منوّهاً بالدعم المتزايد للاتفاق، رغم خسارة التصويت الجمعة. وأضاف ليويس متحدثاً باسم ماي: «على الأقل، نحن نسير في الاتجاه الصحيح»، لكنه في الوقت نفسه، أكّد أن «السعي إلى اتحاد جمركي مع التكتل سيكون صعباً»، مشيراً إلى أن هذا خيار «يتناقض مع تعهدات المحافظين قبل الانتخابات العامة في عام 2017، ولا يحترم نتيجة استفتاء عام 2016 على الخروج». واستبعد ليويس إجراء انتخابات جديدة، معتبراً أن «الناخبين لا يريدون العودة إلى مراكز الاقتراع».

يصوّت البرلمان اليوم على خيارات لاتفاق الخروج قد تضمن إمراره في الطرح الرابع


وقد بدا واضحاً توافق «المحافظون» مع ليويس، ذلك أنهم لوّحوا بالسعي لوقف أي انتخابات مبكرة على ضوء الأزمة التي تواجهها البلاد. وقالت صحيفة «ذي أوبزرفر» البريطانية، إن نواباً من «المحافظين»، هدّدوا بإحباط أي محاولة للدعوة الى انتخابات مبكرة في مواجهة مأزق «بريكست»، محذرين من أن أي محاولة لإجراء انتخابات ستؤدي إلى مزيد من الانقسام في الحزب، وستفاقم الأزمة الحالية. أمّا صحيفة «ذي صنّ»، فقالت إن «170 من بين 314 نائباً من المحافظين أرسلوا إلى ماي خطاباً يطالب بالخروج من الاتحاد، خلال الأشهر القليلة المقبلة، باتفاق أو من دون اتفاق»، في إشارة إلى نفاد صبرهم. وفيما يُنذر بأن ماي ستواجه في الأيام المقبلة خيبات جديدة، قالت صحيفة «ذي صنداي تايمز»، أمس، إن ماي «تواجه خطر استقالة كبار الوزراء من المؤيدين والمعارضين للخروج من الاتحاد بناءً على المسار الذي ستسلكه في الأيام المقبلة». وأضافت الصحيفة إن «ستة وزراء على الأقل من المؤيدين للاتحاد الأوروبي سيستقيلون، إذا اتجهت إلى خيار الخروج من دون اتفاق، في حين سيستقيل الوزراء المؤيدون للخروج إذا دعمت اتحاداً جمركياً مع الاتحاد أو سعت إلى تأجيل».
وبعد ثلاث سنوات من تصويت البريطانيين لمصلحة مغادرة التكتل، تعثّرت العملية برمتها إثر خلاف كبير بين الحكومة والبرلمان. وتجمّع الآلاف من المحتجّين خارج مقرّ البرلمان، الجمعة، ملوّحين بأعلام ومتّهمين النواب بخيانة «بريكست»، وحمل بعضهم لافتات تقول «أعيدوا مملكتنا» و«حرّروا بريطانيا الآن». وشهد الأسبوع الماضي نزولاً لأنصار الخروج ومؤيدي البقاء في التكتل إلى شوارع لندن، إذ يشعر كثيرون من الفريقين بالخيانة من قبل نخبة سياسية لم تظهر مهارات القيادة. كذلك، شهدت الحدود الإيرلندية تظاهرة ضد «بريكست»، أول من أمس، بسبب الخشية من أن يهدد خروج بريطانيا اتفاق السلام الموقع بين إيرلندا الشمالية، المقاطعة التابعة لبريطانيا، وجمهورية إيرلندا، والذي وضع حداً لثلاثين عاماً من العنف السياسي والطائفي الدموي بين البروتستانت والكاثوليك أوقع أكثر من 3500 قتيل. والقضية هي إحدى النقاط العالقة التي تعيق إقرار مجلس العموم البريطاني اتفاق ماي.