تشير نتائج استطلاعات الرأي في إسرائيل، بثبات، إلى أن حصة المتدينين في الكنيست المقبل، تصل إلى ما يقرب من ثلث أعضائه، في تجاوز واضح لاستحقاقهم العددي بين الإسرائيليين، الذي يتجاوز قليلاً سقف العشرين في المئة. التقدير أن يشغل المتدينون، على اختلافهم، ما يصل إلى أربعين مقعداً من أصل المجموع الكامل لمقاعد الكنيست الـ120، الأمر الذي يثقّل مكانتهم وتأثيرهم في المؤسسة السياسية ومنظومة الحكم في إسرائيل. وهذا العدد، من ناحية فعلية، يتجاوز أحلام الأحزاب الإسرائيلية التاريخية، مثل حزب «الليكود»، وبطبيعة الحال حزب «العمل» مع تراجع مكانته، وكذلك حزب «أزرق أبيض»، الوافد الجديد إلى الحلبة السياسية في إسرائيل، والمتوقع أن يحصل على المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد.

مع ذلك، لا يجري الحديث عن كتلة متدينة واحدة، بل عن جماعات وأحزاب تابعة لمرجعيات دينية وفقاً للتقسيم الطائفي اليهودي، وكذلك وفقاً للموقف الديني من الصهيونية، علماً أن عدداً من أعضاء الكنيست المتدينين يتغلغلون في مختلف أحزاب القوس السياسي، من اليمين إلى الوسط، وكذلك في معسكر اليسار، من دون الاقتصار على الأحزاب الدينية بأنواعها. يعود ذلك إلى جملة أسباب، من بينها أن المتدينين لا يقصرون بالضرورة تصويتهم على مصلحة الأحزاب والأطر التنظيمية الدينية، وهي ظاهرة تطورت في السنوات الأخيرة، ويترقب أن يكون حضورها أكثر ظهوراً في الانتخابات الحالية.

عدد من أعضاء الكنيست المتدينين يتغلغلون في مختلف أحزاب القوس السياسي(أ ف ب )

واستخدام كلمة المتدينين اليهود في إسرائيل (داتييم) بات يشير إلى اليهود الذين ينتمون إلى واحدة من مجموعتين وما يتفرع عنهما: الحريديم، وهي الشريحة المتزمتة دينياً والمنغلقة على نفسها، وتتميز في الشكل عن الآخرين من خلال زيّها التقليدي الذي يعود إلى قرون مضت؛ والمتدينون الصهاينة الذين آلفوا بين مشروع الصهيونية والدين اليهودي (على نقيض من الحريديم)؛ إذ إنهم منفتحون على اليهود الآخرين، وغير منغلقين على أنفسهم. ولدى المجموعتين مرجعيات دينية وأحزاب تابعة لها، مع اختلاف طائفي ومذهبي بين الشرقيين والغربيين (سفارديم وأشكناز) وما يتفرع عن هذا التقسيم من تفريعات أخرى. وعادة، يمثل اليهودَ الحريديم الشرقيين حزبُ «شاس»، مقابل حزب «يهدوت هتوراه» الذي يمثل اليهود الغربيين الأشكناز. أما المتدينون الصهاينة، فتتقلّب أحزابهم تبعاً لتغير الظرف والمرجعيات، وفي الآونة الأخيرة ينحو المزاج العام لهؤلاء نحو تفضيل الأحزاب العلمانية في صناديق الاقتراع.
وعلى اختلاف التوجهات والتباين في المواقف، تتموضع الأحزاب الدينية على يمين الخريطة السياسية في إسرائيل، وإن كانت مبادئها لا تمنعها من الائتلاف في حكومات وسطية أو يسارية، إن أمكن الاتفاق على مكتسبات الشريحة المتدينة في ما يتصل بسلة «حقوق» تبدأ من العطاء المالي لمؤسساتها، والمحافظة على استقلالية أنظمة تعليمها، وصولاً إلى إبعادها عن الخدمة العسكرية (باستثناء الصهيونية الدينية التي تتجنّد في الجيش الإسرائيلي، ولا ترى فيه مانعاً تحريمياً دينياً).
تتموضع الأحزاب الدينية على يمين الخريطة السياسية في إسرائيل


في الماضي، كانت كتلة الأحزاب الدينية في الكنيست، كما ورد في المقدمة، موازية نسبياً لاستحقاقها العددي نسبة إلى التعداد اليهودي في إسرائيل، وكان بالإمكان معرفة عدد أعضاء الكنيست من المتدينين كنتيجة تلقائية لمعرفة تعداد مَن يحق له التصويت منهم. كانت الأصوات تصبّ من دون تسرب للأحزاب التي تمثلهم وتتبع مرجعياتهم الدينية. حالياً، بات يصعب التحديد الدقيق لعاملين اثنين: أولهما أن أصوات الناخبين المتدينين لم تعد مضمونة في سلة أحزابهم، وهذه الظاهرة تعبّر عن نفسها ترشحاً وانتخاباً، وهي تقضم من مكانة الأحزاب الدينية وحضورها في الكنيست، الأمر الذي ينعكس تشويشاً نسبياً على الصفة العلمانية للأحزاب الأخرى بعد أن تتكتل شريحة المتدينين فيها، وتشكل كياناً فرعياً يجذب بدوره الناخب المتدين ويبعد تصويته التقليدي للأحزاب الدينية. أما العامل الثاني، فيرتبط بالانفتاح النسبي لدى المتدينين على قضايا وملفات لم تكن مورد اهتمام ومتابعة لديهم، بما يشمل القضايا الأمنية والسياسية العامة، من دون الاقتصار فقط ـــ كما في الماضي ـــ على قضايا جماعاتهم المتدينة والحرص على مكاسبها كجماعات، وذلك عبر المشاركة المشروطة بأثمان في الحكومات المتعاقبة، من دون التطلع إلى ما ورائها. بناءً على ما تقدم، لم يعد تصويت اليهود الشرقيين لحزب «شاس» مضموناً، بل بات الحزب ــ وفق بعض التقديرات ـــ آيلاً إلى السقوط، وإن كان عدد اليهود الشرقيين من المتدينين كبيراً جداً. النتيجة نفسها تنسحب على حزب «يهدوت هتوراه» الذي يمثل تقليدياً المتدينين الأشكناز، من دون استثناء أحزاب الصهيونية الدينية التي بات استحقاقها الانتخابي موزعاً أيضاً على مختلف الأحزاب مع استثناءات قليلة.
هل يعني ذلك انزياح الواقع لينقلب على الأحزاب الدينية في مقدمة لأفولها؟ أم أن الأمر مجرد عملية انجذاب لكتل وازنة من تلك الأحزاب إلى نظيرتها العلمانية؟ وماذا عن التأثير المحتمل للمتدينين في أعقاب الانتخابات، خصوصاً في ما يتصل بتشكيل الحكومة المقبلة وهويتها؟ يتبع.