حين دخل مؤسّس «ويكيليكس»، جوليان أسانج، في حزيران/ يونيو 2012 مبنى سفارة الإكوادور في شارع نايتس بريدج في لندن، طالباً اللجوء السياسي، لم يكن يتوقّع أن تتحوّل محطّته (الموقتة) إلى إقامة ستمتد لسنوات طويلة في بضعة أمتار مربّعة. منذ ذلك الحين، لم تطأ قدماه عتبة مبنى السفارة، خشية اعتقاله في بريطانيا وتسليمه إلى الولايات المتحدة لمحاكمته في «جرائم» الكشف عن آلاف الوثائق السرية.

لم تكن سفيرة الإكوادور في لندن، آنا ألبان، واثقة من أن منح أسانج حق اللجوء سيكون فكرة جيدة للسفارة. كيف ستكون النهاية؟ بعد وقت قليل من وصوله، كان المبنى، حيث توجد السفارة، محاصراً ومهدَّداً. على مدى أسابيع، راجعت الإكوادور طلب أسانج. تذكُرُ ألبان أنه بعد تهديد السلطات البريطانية بتجريد السفارة من الحماية الدبلوماسية وإلقاء القبض على أسانج بالقوة، وافق رئيس الإكوادور، رفاييل كوريا، على منحه حق اللجوء. حينذاك، ردّ وزير خارجية الإكوادور، ريكاردو باتينو، على التهديدات البريطانية، بالقول: «لنكن واضحين، نحن لسنا مستعمرة بريطانية». سرعان ما سيتغيّر ذلك «الخطاب» مع وصول لينين مورينو إلى الرئاسة. فالأخير صار همّه التخلّص من «المشكلة الموروثة» و«الحجر في الحذاء». اللغة لا يمكن أن تكون أكثر وضوحاً. كان يسعى إلى تحسين العلاقات مع «الشمال» والدول الأوروبية. قال مورينو، صراحة، إن أسانج يمكن أن يبقى في السفارة إذا وافق على شروط محددة: عدم التدخل في السياسة الخارجية، أو «(أننا) سنضطر إلى اتخاذ قرار» بحقه. وكوريا كان قد توقّع العام الماضي أن يقوم الرئيس الحالي بطرد أسانج من السفارة «بعد أول ضغط من الولايات المتحدة».

عاش أسانج منذ عام 2010 «صراعاً خطيراً» أبطالُه «مؤسسة نشر، وقوة عظمى»


على مدى السنوات السبع الماضية، كان الكون المادي بالنسبة إلى أسانج عبارة عن 30 متراً مربعاً، يتألف من مسكنه الخاص وبعض الغرف التي يتشاركها مع طاقم السفارة. أحد أصدقائه يقول، وفق ما تنقل عنه مجلة «نيويوركر»: «إنه كالعيش في مكّوك فضائي». طوال هذه المدة، عاش أسانج في حالة من اليقظة المستمرة، في انتظار اقتحام مبنى السفارة. في مقابلة طويلة مع المجلة، يقول ناشر «ويكيليكس»: «أصبحت جدران السفارة مألوفة بالنسبة إليّ، تماماً كأنها جفوني الداخلية». «أراها، ولكني لا أراها». متردداً، يعترف بأنه عانى نوبات اكتئاب، وحُرم من النوم بسبب القلق. غالباً ما يظلّ مستيقظاً لمدة 18 أو 20 أو 22 ساعة، حتى ينهار من الإرهاق.

بداية القضية
بالنسبة إلى «منعزلٍ يحاول إعادة ضبط مجرى التاريخ»، كما يصفه خصومه، عاش أسانج منذ عام 2010 «صراعاً خطيراً» أبطالُه «مؤسسة نشر صغيرة، وقوة (قوى) عظمى». بدأت القصة في ذلك العام، عندما حصل أسانج من المجنّدة الأميركية، تشيلسي مانينغ، على نصف مليون وثيقة سرية حول النشاط العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان، وربع مليون برقية دبلوماسية من وزارة الخارجية الأميركية، قدّمت نظرة على المساومات التي تجرى في الغرف المغلقة. حُكم على مانينغ في عام 2013 بالسجن 35 عاماً، إلا أن الرئيس السابق باراك أوباما أصدر في نهاية فترة ولايته الثانية، أمراً بتخفيف عقوبتها، وتم إطلاق سراحها في أيار/ مايو 2017. ومنذ ذلك الحين، وبالإضافة إلى تسريبات مانينغ، نشر موقع «ويكيليكس» ملايين الوثائق السرية.
بين آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر 2010، تم التحقيق مع أسانج في السويد بتهمتَي الاغتصاب والتحرش الجنسي بعدما تقدّمت امرأتان بشكاوى منفصلة. وظلّت هذه القضية تلاحقه إلى أن أسقطت السويد تحقيقها في 2017 بسبب «استنفاد جميع إمكانيات إجراء التحقيق»، أي إخطاره بالتهم الموجهة إليه وحضوره إلى المحكمة في استوكهولم. ورغم إغلاق ملفّه في السويد، يبقى أسانج خاضعاً لمذكرة توقيف بريطانية لانتهاكه شروط إطلاق السراح المشروط المرتبط بقضيته في السويد.
اعتباراً من بداية عام 2018، أعلنت الإكوادور أنها اتخذت عدة خطوات لإنهاء الأزمة الدبلوماسية الطويلة، عبر منح أسانج الجنسية الإكوادورية. بعدها بأيام، طلبت كيتو من لندن منح أسانج الحصانة الدبلوماسية حتى يتمكن من مغادرة السفارة، لكن بريطانيا رفضت بحجة أن «الإكوادور تعرف الطريقة لحل هذه المشكلة: على جوليان أسانج أن يغادر السفارة لمواجهة العدالة». «مواجهة العدالة» تمّ تفسيرها بشكل أوضح حين كشف موقع «ويكيليكس» في تشرين الثاني الماضي، عن أن تهماً وُجّهت إلى مؤسّسه في الولايات المتحدة. وذكر أن «مدّعين كشفوا، عن غير قصد، وفي إطار قضية أخرى غير متصلة، وجود ذلك الاتهام السري»، لكن طبيعة الاتهام الموجه ضد أسانج لم تُعرف.