يستبعد أن تساعد مهلة «هالوين» الجديدة، حكومة تيريزا ماي، على تحقيق اختراق ما على صعيد «بريكست»، لكن تبدو رئيسة الحكومة قادرة على البقاء في منصبها لمزيد من الوقت، على رغم فقدانها تأييد حزبها وبرلمانها وشعبها، بفضل حالة انعدام القدرة على الفعل التي يعيشها اليسار البريطاني، الأمر الذي يجعله حليفاً موضوعياً لليمين البريطاني الموهوم بالعظمة.

بعد ثلاث سنوات على التصويت الشعبي المؤيد لإنهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي (23 حزيران / يونيو 2016)، وبعد انتهاء مهلتين لتنفيذ ذلك وفق المادة 50 من نظام الاتحاد (29 آذار/ مارس و12 نيسان/ أبريل)، بدت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، في جولتها الخاطفة على عواصم القرار الأوروبي (برلين وباريس)، وكأنها تستجدي تمديداً آخر، مُلوِّحة بتلطيخ صورة النادي الأوروبي في أذهان رعاياه من سكان الجزيرة، إذا انتهت المهلة من دون اتفاق، ما سيُطلق أزمة قد تمسّ إمدادات المملكة الأساسية من الغذاء والدواء، وتتسبّب بالبلبلة في الأسواق المالية، عدا عن فتح جروح الأقاليم الساعية للاستقلال في إيرلندا واسكتلندا، فضلاً عن شهية التاج الإسباني لتفكيك (الاستعمار) البريطاني لجبل طارق.
الأوروبيون (خصوصاً برلين)، الذين يُدركون تماماً صيغة توزع موازين القوى في هذه المرحلة ــ والتي تميل بشدة لمصلحتهم بالنظر إلى الضعف الشديد الذي تعاني منه رئيسة الوزراء ــ قرروا بلطفهم المعهود أن يمدّوا الحبل لماي، ويمنحوها مزيداً من الوقت لتجنّب الكارثة المرتقبة، على رغم توجّه فرنسي للتعنّت فرملتْه ألمانيا بصرامة في الكواليس، بل أظهر القادة المجتمعون في بروكسل، الأسبوع الماضي، كرماً استثنائياً؛ إذ جعلوا المهلة الجديدة لاستحقاق «بريكست» 31 تشرين الأول/ أكتوبر، أي أربعة أشهر إضافية على طلب ماي التمديد لنهاية حزيران/ يونيو. إلا أن هؤلاء ضمّنوا منحتهم رموزاً كثيرة اختلط فيها الجدّ بالهزل: فالتمديد يُجبر بريطانيا على خوض الانتخابات الأوروبية في 23 أيار/ مايو المقبل، كأي عضو آخر في الاتحاد. ويظهر أن مصير المملكة المتحدة، أقلّه على المدى القصير، معلّق بيد بروكسل (أي برلين الصغرى)، هذا من دون الإشارة إلى أن المهلة الجديدة تنتهي في يوم «الهالوين» الذي يحتفل به شعبياً عبر القارة الأوروبية.
ربّما كانت هذه الصورة المذلّة كافية، في ظروف أخرى، لتدفع أي رئيس وزراء عاقل للتفكير في الاستقالة، أو النخبة السياسية لتغيير الحكومة. لكن تيريزا ماي، التي تواجه حرب خلافة معلنة داخل حزبها، يتعلق مصير حكومتها بتأييد حزب يميني صغير لا يتجاوز عدد مقاعده في البرلمان أصابع اليدين، وتعرّضت شخصياً لثلاث هزائم قياسية عند عرض مشروع اتفاقها مع الاتحاد على البرلمان بغرفتَيه (العموم واللوردات). كذلك، هي تعاني من تراجع قياسي في القبول الشعبي (أقل من 28 في المئة في أحدث الاستطلاعات) واستقالات وزارية بالجملة، ولكنها مع ذلك كلّه متشبثة بالسلطة وعصيّة على الاقتلاع.

كلما تلقّت الحكومة صفعات كانت المراكز اليمينية داخل «العمّال» تقفز لإنقاذها


«معجزة» استمرار ماي على قيد الحياة السياسية، بعد خسارتها ثقة حزبها وبرلمانها وشعبها، والتي تثير استغراب الفرقاء الأوروبيين، لا يُبحث عن أسبابها في أروقة اليمين البريطاني المنقسم بشدّة حول سياساتها وأدائها، بقدر ما تكمن في انعدام قدرة حزب «العمال» المعارض ــ المحسوب يساراً ــ على الفعل أو التأثير، أو حتى طرح حلول بديلة لما تواجهه البلاد من أزمات متراكمة. بالطبع، ليس حزب «العمّال» البريطاني يساراً بالمفهوم التقني للكلمة، فهو تاريخياً وإن حمل نظرياً لواء الطبقة العاملة، لكنه تبنّى عدة مواقف مناقضة لكل فكر يساري، سواء في السياسة الدولية (قمع ثورة الملايو، حرب العراق ...)، أو في الشؤون الداخلية، لا سيما الاقتصادية منها، إلى درجة أن منتقدي الحزب يصفونه بأنه أفضل ما حدث للرأسمالية البريطانية منذ أيامها الأولى في القرن الثامن عشر. وهو رغم صعود زعيم كاريزمي استثنائي بحجم جيريمي كوربن، ذي الشعبية غير المسبوقة بين قطاعات الشباب، لمنصب قائد الحزب، لم ينجح في الانتخابات العامة الأخيرة (2017) في الحصول على عدد مقاعد يؤهله لتولي السلطة، كما أن التيار الأعمّ من نواب الحزب في البرلمان معادٍ بشدة وعلناً لتوجهات كوربن، وكثيراً ما تنتهي كتلة وازنة منه إلى التصويت مع الحكومة.
الأسباب في ذلك بنيوية تحديداً، وزادها الانشطار الاستقطابي في التصويت الشعبي على «بريكست» تعمّقاً. فالحزب ــ الأكبر في أوروبا من حيث عدد الأعضاء (نصف مليون) ــ هو نوع من تحالف عدّة قوى، من بينها نقابات العمال التقليدية المدجّنة منذ أيام الراحلة مارغريت تاتشر في الثمانينيات، والتي تتولى تركيز النضال العمالي في مجال زيادات تافهة على الأجور، وتجمّعات سياسية وفكرية لا يخفي أعضاؤها يمينيتهم (تيار توني بلير ومجموعة بروغريس ...)، أو حتى عنصريتهم البغيضة (يهود حزب «العمال»، أصدقاء إسرائيل...)، بينما تتولى «الجمعية الفابيّة» تعقيم توجهات الحزب النظرية وتهذيبها من أي «شوائب» يسار حقيقي. وقد قامت قيادات الحزب عبر السنوات ـــ لا سيما في ظل حكومات توني بلير وغوردان براون ـــ بتحويل ماكينة الحزب إلى سلسلة من اللجان البيروقراطية العقيمة التي لا روح فيها، والتي تعمل بلا هوادة لحماية قلّة من محترفي السياسة التي تتولى قيادة الحزب من مساءلة القواعد الشعبية.
وهكذا، عندما نجحت مجموعة يسارية في ترقية كوربن إلى قيادة الحزب، بعد حرب أهلية حزبية داخلية، استمر معظم المناصب النيابية في مجلس العموم في يد اليمين، كما العديد من المكاتب التنفيذية داخل الحزب، على نحو منع كوربن من فرض أي من توجهاته المعلنة حول ما يُعرض على المشرّعين من مشاريع قوانين، الأمر الذي مكّن الحكومة من تمرير حزمة إجراءات ضارّة بمصالح الطبقة العاملة، من دون أن تجد لها معارضة فعلية. وكلما أمعنت حكومة ماي في تلقّي الصفعات واحدة بعد الأخرى، سواء في شأن «بريكست» أو غيره، وأصبح مستحقاً لمصلحة الطبقة العاملة والبلاد عموماً تسليم مفاتيح 10 داونينغ ستريت (مقر الحكومة) لكوربن، كانت المراكز اليمينية داخل الحزب تقفز لإنقاذ الحكومة، عبر إطلاق مناخات مسمومة لاتهام الحزب وكوربن بمعاداة السامية، وتأييد الفلسطينيين، وهي مواقف غير دقيقة بالطبع، لكنها كافية لإثارة الرأي العام البريطاني. في غضون ذلك، لم تساعد الاستقطابات داخل الحزب وخارجه، حول الموقف في العلاقة من الاتحاد الأوروبي، في منح كوربن ودائرته اليسارية الضيقة في الحزب هامشاً واسعاً للمناورة؛ إذ إنه دائماً مهدّد بفقدان تأييد نصف الناخبين عند اتخاذه أي موقف محدد حول «بريكست»، ما اضطره إلى تبنّي سلسلة من المواقف الرمادية التي أسهمت، بشكل أو بآخر، في وصول المملكة المتحدة إلى هذا التموضع السياسي الباهت في مواجهة الفرقاء الأوروبيين.
حالة انعدام الفعل «عُمّالياً» تخدم ماي واليمين، على حساب مصالح الأكثرية، إذ إن تيارات أقصى اليسار من الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والفوضوية ودعاة السلام، متشرذمة إلى حالات ميكروسكوبية تتنازع في شأن قضايا تاريخية ليست بذات صلة، ولا تضم في صفوفها مفكرين من وزن ثقيل، أو حتى ثوريين حقيقيين، وتكاد تعجز عن جمع عدة عشرات لحضور تظاهراتها أو أنشطتها الحزبية، فضلاً عن التأثير في الرأي العام. لذا، هي خارج السياق، بينما وجود حزب «العمّال» كقشرة ذات لون أحمر يمنع تطوّر حركة يسارية شعبية حقيقية قادرة على التنظير الفكري وتقديم حلول بديلة للأزمات التي تتسبّب فيها الطبقة الحاكمة.