يعاني الرئيس الأرجنتيني، ماوريسيو ماكري، من عقدة الشيوعية، فهو يتحيّن الفرص لتوجيه انتقاداته لها. في هذا السياق، ظهر الرئيس الأرجنتيني عبر مقطع فيديو نشره على حسابه على موقع «إنستغرام»، يصوّر الزيارة المفاجئة التي قام بها لمنزل إحدى المواطنات التي تعمل في بيع صهاريج المياه لتؤمّن معيشة أفراد أسرتها. استغلّ ماكري المناسبة ليطلق سيلاً من العبارات الرنّانة حول التاريخ والسياسة وريادة الأعمال، غير آبه بالبطالة التي تنهش البلاد والتي يرزح تحت ثقلها مئات الأرجنتينيين.

الرئيس البراغماتي الثري، القادم من عالم المال والأعمال لينقذ حكومة البلاد واقتصادها من الاشتراكية، انتقد خلال زيارته، الشيوعية، معتبراً أنها تدمّر احترام الإنسان لذاته، غامزاً من قناة حكومة الرئيسة اليسارية السابقة كريستينا كيرشنر، متجاهلاً الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمرّ بها الأرجنتين في عهده، والتي تضعها في قائمة الدول الأكثر بؤساً في العالم! تراجعت صدقية «المخلّص» الذي وعد بحل مشكلة التضخّم، واصفاً إياها بالسهلة، حين اعترف أخيراً بأن الحل بالغ الصعوبة.
عندما تولى ماكري منصبه في عام 2015، توصّل إلى تسوية مع الدائنين، وأغرق البلاد في ديون جديدة طويلة الأجل. بيانات أسعار المستهلك في الأرجنتين تظهر أن التضخم ارتفع في الشهر الماضي إلى 54.7 ٪ على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى على الإطلاق. ارتفعت أسعار المستهلك بنسبة 55 ٪، وارتفع معدل البطالة إلى 9.1 ٪، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 6.2 ٪ مقارنة بالعام الماضي. وهي معدلات لم تشهدها الأرجنتين سابقاً.
لتصحيح الخلل، ربّما، قام البنك المركزي برفع الفائدة بنسبة 65 % لخفض التضخّم، ما أدخل البلاد في أزمة ركود. يعمل البنك المركزي، الذي أقرض الأرجنتين 56 مليار دولار، على تحديد نطاق سعر الصرف، وفرض قيود على العملة، بينما تجمّد الحكومة الأسعار على 60 منتجاً من المواد الغذائية حتى تشرين الأول/ أكتوبر. يتوجّب على الحكومة الحالية سداد ديون تصل قيمتها إلى 13.3 مليار دولار من السندات المستحقّة في عام 2019، وفقاً لوكالة «رويترز»، بما في ذلك 5.9 مليارات دولار من السندات المرتبطة بالدولار، والتي تصبح أكثر تكلفة مع انخفاض قيمة البيزو.
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقرّرة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، تبدو الاشتراكية، على عكس توقعات ماكري، في أحسن أحوالها. استطلاعات الرأي كلّها تشير إلى انعدام حظوظه مقابل تقدّم كريستينا كيرشنر وحزبها. أظهر استطلاع حديث أجرته شركة «سينوبسيس» للاستطلاعات أن ماكري خسر في جميع السيناريوات المحتملة للانتخابات أمام المرشحين البديلين المتوقعين بفارق 7 نقاط على الأقل. كيرشنر لم تعلن ترشّحها بعد، لكنها بالرغم من المشاكل التي عصفت بعهدها الرئاسي، من ارتفاع في معدلات التضخّم، إلى علاقاتها المتوتّرة مع المستثمرين، بالإضافة إلى لائحة اتهامات تدينها بقضايا فساد، لا تزال تحظى بشعبية لدى الكثير من الناخبين. وتمنحها استطلاعات الرأي فرصة حقيقية للفوز إذا قرّرت الترشّح، نظراً الى تأثيرها الكبير على حوالى ثلث الناخبين الأرجنتينيين، وهو أقل من الحد الأدنى المطلوب للفوز في الجولة الأولى، لكنه يضمن فوزها في الجولة الثانية وفق تلك الاستطلاعات. مقارنة مع حكومة كيرشنر الاشتراكية، أظهر تقرير نشرته الجامعة الكاثوليكية في الأرجنتين في شهر آذار/ مارس الماضي أن معدلات الفقر ارتفعت من 26.6 % في عام 2017 إلى 31.3 % في عام 2018، ونمت بشكل ملحوظ في المناطق التي تشكّل قاعدة كيرشنر الانتخابية. لكن ماذا لو تكرّر سيناريو البرازيل في الأرجنتين في ظلّ تنامي المخاوف من أن تواجه كيرشنر، في حال ترشحها، المصير نفسه الذي لاقاه الرئيس اليساري الأسبق لولا دا سيلفا، الذي تمّ تلفيق تهم له بالفساد، وأُرسل إلى السجن قبل أشهر من إعلان ترشحه رسمياً للرئاسة. تتمتّع كيرشنر بحصانة مجلس الشيوخ الأرجنتيني، فقد فازت عام 2017 بمقعد فيه، ما يستبعد أمر اعتقالها حالياً. وأي إدانة مستقبلية ستحتاج إلى تأييد المحكمة الجنائية العليا في الأرجنتين والمحكمة العليا. وما لم تتمّ إدانتها، لن يكون هناك ما يمنعها من الترشح للرئاسة.
رئيس الوزراء، ماركوس بينيا، أكد مراراً أن كريستينا فرنانديز دي كيرشنر ستكون المنافسة الأولى لماوريسيو ماكري في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، والاستطلاعات الحالية لا تضمن لماكري الفوز حتى في الجولة الأولى. في تغريدة له على «تويتر»، قال ستيف هانكي، الاقتصادي والسياسي الأميركي، إن «الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري في وضع انتخابي حرج. يبلغ معدّل التضخّم السنوي في الأرجنتين 116 % في السنة. والأرجنتين تحتل المرتبة الثانية على مؤشر البؤس العالمي. هناك حل سهل للتخلّص من الأزمة: استبدال البيزو بالدولار الأميركي».
وتشهد الساحة الأرجنتينية سلسلة احتجاجات مطلبية، كان آخرها تظاهرة نظّمها ناشطون يساريون في الرابع من نيسان/ أبريل الجاري ضد السياسة الاقتصادية للحكومة في بوينس آيرس. وفي الخلاصة، يبدو مصير الرئيس اليميني مهدّداً، إذا استمرّت معدّلات النمو الاقتصادي بالانحدار، ما يمهّد الطريق أمام نهضة اليسار مجدّداً وتسلّم مقاليد السلطة.