تتوالى سبحة الإجراءات الاقتصادية الأميركية ضد فنزويلا، بالتوازي مع التصريحات المثيرة للسخرية، بهدف الضغط على الرئيس نيكولاس مادورو. وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الأزمة التي اختلقتها واشنطن في كاراكاس، يتبدّى الإفلاس والتخبّط الدبلوماسيين اللذين تواجههما هناك، عبر التصريحات الصادرة عن إليوت أبرامز، أخيراً، والتي دعا فيها مناصري هوغو تشافيز إلى الاصطفاف مع واشنطن في وجه مادورو.

تستقدم الولايات المتحدة تعزيزات كثيرة لحربها الاقتصادية والدبلوماسية على فنزويلا. وبينما فتحت باب عقوباتها على النفط على مصراعيه، بدخول الحظر على هذه المادة حيّز التنفيذ، علا صوت مبعوثها إليوت إبرامز مدلياً بتصريحات مثيرة للسخرية، نادى فيها «مناصري تشافيز» كي يصطفّوا مع واشنطن ضد «نظام الرئيس نيكولاس مادورو»، على اعتبار أنه «يدمّر إرث الرئيس الفنزويلي الراحل»، فيما تسعى الولايات المتحدة، متمثّلة بالصقور المعادين للاشتراكية، للحفاظ عليه.
إجراءات تُناقض التصريحات الأميركية عن «الحفاظ على مصلحة الشعب الفنزويلي»، وتصريحات أخرى تتعارض مع تاريخ واشنطن وحاضرها تصدر عن إدارتها، في الفترة الأخيرة، في مؤشّر على الإفلاس الدبلوماسي الذي وصلت إليه، في مواجهة عدم تمكّنها من تحريك الأمور وفق مُرادها في فنزويلا، لتصل إلى حدّ مغالاتها في الدفاع عن الـ«إرث التشافيزي». فكان أول من ردّ عليها مادورو نفسه، شانّاً حرباً كلامية ضد أبرامز، ومؤكداً فيها أن هذا الأخير «كان يحاول خداع الشعب الفنزويلي وإرباكه وتقسيمه، واضعاً قناعاً للتشافيزية».
الرئيس الفنزويلي لم يتوانَ عن وصف أبرامز بأنه «صقر قديم للحرب الباردة». وإذ قال إن «إليوت أبرامز فاجأ العالم وخرج كمدافع عن تركة القائد هوغو تشافيز، وهو يدّعي أنه مدافع عن تراث تشافيز والتشافيزية»، تساءل: «هل لديه مصداقية؟ لماذا يقصد هذا المنعطف؟ يقول الآن إن مادورو هو الرجل السيّئ؟». كذلك لفت مادورو إلى أن «فكرة تشافيز كانت تحارب الإمبريالية الأميركية، وتدافع عن سيادة أميركا اللاتينية»، مشدداً على أن أبرامز لا يتوافق مع هذه المبادئ. وأضاف الرئيس الفنزويلي ساخراً: «هل أصبح إليوت أبرامز تشافيزياً؟ إنها مناورة مبتذلة، ومن الهراء التظاهر بأن الإمبريالية تدافع عن تركة هوغو تشافيز، لأن تركة هوغو تشافيز هي تركة مناهضة للإمبريالية».
كلام مادور جاء رداً على تصريحات أدلى بها أبرامز، أمام «المجلس الأطلسي» في واشنطن، قال فيها إن «الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحدّ (حزب تشافيز) يجب أن يحصل على دور في إعادة بناء البلاد، مثل أي مواطن آخر»، متعامياً عن إرثه الخاص في الحروب والاغتيالات التي شهدتها دول أميركا اللاتينية، عموماً، وعن دوره في تجاهل قتل آلاف الأبرياء في هذه الدول وغيرها، بهدف القضاء على الأنظمة الاشتراكية، وغيرها من الأنظمة المعادية للولايات المتحدة.

دخل الحظر الأميركي على النفط الفنزويلي حيّز التنفيذ أول من أمس


أبرامز زايد في الدفاع عن فكر تشافيز، معتبراً أن «مناصريه يشاهدون نظام مادورو وهو يدمّر إرثه». وقال: «الوقت من أجل الانضمام إلى نقاش بشأن المستقبل هو الآن، ويجب أن يتضمّن التشافيزيين الشباب قبل أن يحاول النظام إسكاتهم». وهو بذلك تناسى كل محاولات الترغيب والاستمالة الفاشلة للجيش وغيره من المؤسسات، بهدف الابتعاد عن مادورو، ما يناقض في الوقت ذاته كلامه عن أن «مادورو انتخب رئيساً لحزب تشافيز من قبل مجموعة صغيرة».
وما يعزّز هذه الفرضية، هو أن الولايات المتحدة لم تتمكّن، حتى الآن، من السيطرة على السفارة الفنزويلية في واشنطن عبر رجلها الانقلابي خوان غوايدو. فقد أعلنت السلطات الأميركية أنها مستعدة لطرد ناشطين مؤيّدين لمادورو «يحتلّون سفارة بلدهم في واشنطن، شرط أن يطلب ذلك زعيم المعارضة، الذي أعلن نفسه رئيساً بالوكالة».
ويشكل المبنى المؤلّف من أربعة طبقات، في العاصمة الأميركية، محور مواجهة بين الرئيس الاشتراكي وغوايدو، حيث تحتل مجموعات يسارية وناشطون سلميون السفارة ليلاً نهاراً، منذ أسبوعين، مندّدين بـ«الانقلاب» ضد مادورو. ويرفع هؤلاء لافتات كتب عليها «سلام» و«يسقط أعداء فنزويلا». وفي هذا الإطار، أفادت منظمة «كود بينك» بأن الهدف هو «منع المعارضة الفنزويلية من الاستيلاء على المبنى الدبلوماسي الذي تملكه الحكومة المنتخبة».
وفي مواجهة هذا الوضع، التزم ابرامز موقفاً حذراً، مذكّراً بأن السفارة «أرض سيادية فنزويلية». وخوفاً من أي مواجهة تُخرج الأمور عن سيطرة إدارته، رفض أن يعد بتدخل من قبل قوات الأمن بدون طلب واضح من كارلوس فيكيو، ممثل غوايدو في واشنطن. وقال في مؤتمر صحافي: «إنها مسألة يجب أن تناقش بين السفير (فيكيو) وقوات الأمن».
المفارقة أن تصريحات أبرامز جاءت قبل يومين على دخول الحظر الأميركي على النفط الفنزويلي حيّز التنفيذ، أول من أمس، في مسعى لدفع الرئيس نيكولاس مادورو نحو الخروج من الحكم، عبر استهداف دعامة الاقتصاد، في ظل الإفلاس الأميركي الدبلوماسي. وقد منع الحظر كل شركة أميركية من شراء النفط من شركة النفط الوطنية في فنزويلا أو من إحدى الشركات التابعة لها. كذلك، منع كل كيان أجنبي من استخدام النظام المصرفي الأميركي للتزوّد بالذهب الفنزويلي الأسود.
ويُعدُّ هذا الإجراء واحداً من التدابير التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب لإطاحة الحكومة الفنزويلية لصالح الانقلابي خوان غوايدو، الذي أعلن نفسه رئيساً بالوكالة. وقد جاء ذلك أيضاً بعدما وضعت واشنطن، الجمعة، وزير خارجية فنزويلا خورخي أرييسا خارج النظام المالي الدولي (يعمل بالدولار الأميركي). وجمّدت وزارة الخزانة أي أصول قد يمتلكها في الولايات المتحدة، كما أنّها وضعت الدبلوماسي الفنزويلي على لائحتها السوداء للعقوبات المالية.
إلا أن كل هذه الإجراءات لم تمنع مادورو من مضاعفة الحد الأدنى للأجور ليصبح أربعين ألف بوليفار، أي ما يعادل نحو ثمانية دولارات شهرياً، في أجواء من التضخّم الكبير وتراجع سعر العملة الوطنية البوليفار، بحسب ما ورد في مرسوم نشر، الجمعة. وأفاد المرسوم، الذي نشر في الجريدة الرسمية، بأن الراتب الأساسي ارتفع من 18 ألف بوليفار (3,46 دولارات بسعر الصرفي الرسمي) إلى أربعين ألف بوليفار (7,69 دولارات). وتطبّق هذه الزيادة بمفعول رجعي، اعتباراً من 16 نيسان/ابريل. من جهة أخرى، أعاد مادورو العمل بقسيمة غذائية قيمتها 25 ألف بوليفار (4,80 دولارات).



.