بعد ستة أشهر على انطلاقتها، أظهرت حركة «السترات الصفر» قدرة على الاستمرارية، على رغم القمع العنيف الذي تعرضت له. لم تتسع قاعدتها الاجتماعية، المُكوَّنة أساساً من سكان الضواحي البعيدة للمدن والريف وقطاعات وازنة من الطبقات الوسطى، لتضمّ كتلاً اجتماعية أخرى، إلا أن الحركة اتجهت نحو المزيد من الجذرية في مواقفها السياسية في الأشهر الأخيرة. هي بدأت حركةً احتجاجية ضد رفع أسعار الوقود، لكنها تحولت بسرعة إلى قوة تعبّر عن تطلع الفئات الشعبية لاستعادة حقوقها الديمقراطية ودورها السياسي في مواجهة احتكار الأوليغارشية للسلطة. هذه المضامين المهمة للحركة يجري تجاهلها عمداً، عبر محورة النقاش السياسي ـــ الإعلامي في فرنسا حول العنف.

برأي ميشيل فيفوركا، رئيس «معهد علوم الإنسان» ومدير الدراسات في «معهد الأبحاث العليا في العلوم الاجتماعية»، ما زالت حركة «السترات الصفر» تتمتع بتأييد نحو 50% من الرأي العام، على الرغم من علامات الإجهاد التي بدأت تظهرها نتيجةً لنجاحها في انتزاع مكتسبات اجتماعية، وللقمع المتنامي الذي تتعرض له. «الأسباب السياسية هي أول ما يفسر استمرارية الحركة. هناك درجة عالية من الرفض لسلطة النخب، بشكل خاص لماكرون وما يمثل، ولانعدام جدوى النظام الحزبي التقليدي، ولعملية حرمان المواطنين دورهم السياسي التي تقوم بها الحكومة. لكن مبلغ الـ17 مليار يورو الذي أفرجت عنه الأخيرة، سمح بتلبية بعض احتياجات قطاعات بعينها كالمتقاعدين مثلاً، وبالتالي إبعادهم عن الحراك من جهة، فيما أدى القمع إلى تجذر الحركة، ما أخاف أوساطاً اجتماعية واسعة من جهة أخرى» بحسب فيفوركا.
وبعدما سادت قناعة بعدم مشروعية العنف خلال الـ40 سنة الماضية، أعادت حركة «السترات الصفر»، بنظره، قدراً من المشروعية له، باعتباره ضرورة لإسماع صوتها، حتى ولو أن تداعياته كانت سلبية بالنسبة إليها في المحصلة النهائية. هذا العنف نتاج لاحتضار الأحزاب السياسية، كأطر سمحت بمشاركة المواطنين في الحياة السياسية، ولأزمة الديمقراطية التمثيلية عموماً. «لقد نجحت قوى الوسط السياسي في الانتصار في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لكننا نشهد تراجعاً للعرض السياسي من قِبَل أحزاب اليمين واليسار، ووحدها الأحزاب المُصنَّفة معاديةً للنظام تحظى بتأييد الجماهير. لقد غابت المواجهات السياسية التي كانت تتيح مأسسة الصراع الاجتماعي، أي إدارته عبر وسائل السياسة وأدواتها، ما يجعل من العنف أحد الخيارات الممكنة للدفاع عن الحقوق والمطالب. الأطراف المتقابلة التي تلجأ إلى العنف يتهم بعضها بعضاً بالمسؤولية عنه بدلاً من الحوار حول مضمون المطالب الاجتماعية» يضيف فيفوركا.
دانييل ترتاكوفسكي، المؤرخة المتخصصة بالحركات الاجتماعية، تعتقد أن سبب تراجع الدينامية الاحتجاجية لـ«السترات الصفر» يعود إلى طبيعة الحركة وعجزها عن أخذ موازين القوى بالاعتبار. «الحركة ممتدة زمنياً، فهي مستمرة منذ 6 أشهر، أي أكثر بـ5 أشهر من أحداث شهر أيار 1968، وهذا يعود لحالة من الغضب العارم والشعور بالعجز. لكن مشكلة السترات الصفر، أنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بتحديد آفاق الحراك». لقد تميزت الحركة العمالية في فرنسا، وفقاً للمؤرخة، بقدرتها على التقدير الدقيق لموازين القوى، وتوظيف أي مكتسبات لتجديد الاحتجاجات عندما تتيح موازين القوى ذلك. القدرة على التنظيم وعلى تنسيق المطالب في إطار جبهة متحدة على قاعدة تحالف طبقي، واغتنام الفرص المتاحة، غائبة تماماً لدى «السترات الصفر».
تؤكد ترتاكوفسكي أن «الحركة تُكذّب للمرة الأولى منذ 1995 مقولة رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، إدوارد بالادور، من أن الشارع لا يحكم»، وتخلص الى أن السياق الحالي يتميز بانفصال كامل بين الأزمة السياسية وتلك الاجتماعية. «اللافت مع اقتراب الانتخابات، أن استطلاعات الرأي الراهنة لا تعكس تأثيراً لحركة السترات الصفر. هناك تباين كبير بين المشهد السياسي الذي ترسمه هذه الاستطلاعات وما يجري في الشارع». الأزمة التي تشخّصها ترتاكوفسكي لا تقتصر على الديمقراطية التمثيلية، بل تتعدّاها لتشمل أساساً الدور الاجتماعي للدولة: «عام 1944، عندما تبنى المجلس الوطني للمقاومة برنامج إعادة الإعمار، حظي هذا الأخير بإجماع الأحزاب السياسية الرئيسة، عندما عرّف فرنسا باعتبارها ديمقراطية اقتصادية واجتماعية حقيقية. إن أزمة الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية هي التي تؤدي إلى أزمة المواطنة اليوم».