لم يكن مفاجئاً التصعيد الأميركي في وجه الجاهزية العسكرية الإيرانية في المنطقة، في إطار الضغوط واستعراض الأوراق المتبادل عقب إلغاء واشنطن إعفاءاتها من العقوبات. لكن التقدير الإيراني يجزم بأن التحرك يأتي في سياق لا يتجاوز المبارزة إلى اشتباك عسكري مباشر. بالموازاة، تشهر طهران مبكراً ما بجعبتها من خيارات المرحلة، أحدها إيصال رسالة إلى الأوروبيين بأنها ستراجع التزاماتها بالاتفاق النووي.

يتصاعد التوتر في أكثر من اتجاه منذ تشديد واشنطن العقوبات على طهران عبر إلغاء الإعفاءات على شراء النفط. وسريعاً ظهرت «لوازم» التصعيد الأميركي في منطقة الخليج، مع إعلان مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، نشر بلاده حاملة الطائرات الهجومية «أبراهام لينكولن»، وإرسال قوة قاذفات إلى «منطقة القيادة المركزية، لإرسال رسالة جلية إلى النظام الإيراني بأن أي هجوم على المصالح الأميركية أو على حلفائنا، سيقابل بقوة لا هوادة فيها». ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين أميركيين أن القاذفات التي تنوي القوات الأميركية إرسالها إلى منطقة الشرق الأوسط هي من طراز «بي ـــ 52».
خطوة وضعتها طهران في إطار «الحرب النفسية»، وفق كيوان خسروي، المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي قلل من أهمية التحرك العسكري، بالإشارة إلى أن حاملة الطائرات وصلت إلى البحر المتوسط منذ 21 يوماً بالاستناد إلى عمليات الرصد الإيرانية. ووصف خسروي تصريحات بولتون بأنها «استخدام أخرق لعبارات مستهلكة في إطار حرب نفسية». وكان قائد «قوة القدس» في «الحرس الثوري»، قاسم سليماني، قد كشف عن اطلاع بلاده على رسالة من جهاز «سي آي إيه» إلى البيت الأبيض توصي الرئيس دونالد ترامب بعدم خوض مواجهة عسكرية مع إيران. استبعاد الحرب عاد وأكده مستشار المرشد علي خامنئي للشؤون الدفاعية، العميد حسين دهقان، الذي شدد على أن «الأميركيين لا يرغبون وغير قادرين على القيام بتحرك عسكري ضدنا».

مستشار خامنئي: الأميركيون لا يرغبون وغير قادرين على تحرك عسكري


التقدير الإيراني حول هدف نشر حاملة الطائرات والقاذفات يتعارض مع ما أكده القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي، باتريك شاناهان، الذي عزا موافقة وزارته على التحرك إلى معلومات عن «تهديد جاد من قوات النظام الإيراني». معلومات امتنع كل من بولتون وشاناهان عن توضيحها، لكن وسائل الإعلام الأميركية والغربية تناقلت تحذيرات بشأن «تهديدات متعددة وموثوقة» ضد القوات الأميركية على الأرض وفي البحر، في المنطقة، بينها الساحة العراقية. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن مساعي واشنطن لتعزيز قواتها في الخليج تأتي في ضوء معلومات استخبارية تفيد بأن هناك خططاً إيرانية لشنّ هجمات منسقة بينها في مضيق باب المندب تتولاه «جماعات مسلحة موالية لها»، واستهداف القوات الأميركية في الخليج والكويت عبر طائرات مسيرة، وكذلك ضرب القوات المتمركزة في العراق وسوريا. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن الاستنفار الأميركي تقرر بناءً على معلومات نقلها جهاز «الموساد» إلى الأميركيين حول نية إيرانية لضرب مصالح الولايات المتحدة.
في خضمّ هذه الصورة الضبابية، رأى مسؤول أميركي أنّ من غير الواضح ما إذا كانت التحركات الإيرانية المريبة خططاً على وشك التنفيذ لضرب المصالح الأميركية أم «استعدادات أولية» تحسباً لأي مواجهة. وفي حال بقاء الأجواء المشحونة عند هذا الحد، لا يعني ذلك غياب التداعيات، إذ تراجع أمس سعر صرف العملة الإيرانية لينخفض الريال إلى 154 ألفاً مقابل الدولار، من 150 ألفاً أول من أمس، في أدنى مستوى يسجله منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وتترافق التطورات مع أجواء توتر وترقب في طهران ممزوجة بالغضب من الضغوط الأميركية، في الذكرى الأولى لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي.
ويترقب الشارع الإيراني خطوات سيعلنها الرئيس حسن روحاني اليوم في هذه المناسبة، تتضمن «خفض تعهدات» في الاتفاق النووي. إذ ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن طهران ستبدأ مرحلة أولى في برنامجها النووي في إطار «خطة تدريجية»، طبقاً للمادتين 26 و36 من اتفاق فيينا. وليس مؤكداً بعد ما إن كان روحاني سينحو إلى التصعيد مع شركائه الأوروبيين في الاتفاق، الذين يتهمهم بعدم الوفاء بالالتزامات، أو أن الحديث عن التصعيد محاولة ضغط على الأوروبيين من جهة، وإرضاء لتيار داخل إيران يرى ضرورة التشدد تجاه الانقلاب الأميركي على الاتفاق و«المعاملة بالمثل» وسوء تصرف الأوروبيين في ملف الحفاظ عليه، خصوصاً أن المسرّب من خطاب روحاني يحرص على البقاء في الاتفاق لا الخروج منه. وفيما حذرت باريس من اضطرار الأوروبيين إلى فرض عقوبات على طهران إذا أعلنت خرقها الاتفاق، كشف وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف (الذي سيلتقي اليوم نظيره الروسي لبحث الاتفاق النووي) عن قرب التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي على مبيعات النفط الإيرانية.