تحرص تل أبيب، إلى الآن، على ترك الساحة للولايات المتحدة في «حربها» الاقتصادية والدبلوماسية والنفسية على إيران، وإنْ كان كل ما انتهجته إدارة دونالد ترامب يتطابق تماماً مع ما دعا إليه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو منذ سنوات، بدءاً من الخروج من الاتفاق النووي وفرض المزيد من العقوبات على الجمهورية الإسلامية، وصولاً إلى اعتماد سياسة التحشيد العسكري والتوثب للهجوم بهدف تخويف طهران، ومضاعفة الضغوط عليها بما من شأنه إحداث شرخ داخلي حول جدوى التمسك بالمشروع النووي والخيارات الاستراتيجية.

تراهن إسرائيل على أنّ هذه الضغوط ستضع طهران بين خيارين: إما اعتماد سياسة الصمود السلبي (من دون ردود فعل) وفي الوقت نفسه التزام قيود الاتفاق النووي، وإما المبادرة إلى خرق الاتفاق، وربما خطوات عسكرية، وهو ما سيؤدي إلى ردود أميركية دراماتيكية. وفي كلتا الحالتين، ستكون إسرائيل هي الرابحة. في السيناريو الأول، تبقى إيران تحت سيف العقوبات التي يُراد من ورائها إضعافها وحلفاءَها في المنطقة، على أمل أن تترتب عن ذلك تداعيات لاحقة تقوِّض النظام الإسلامي أو تجبره على التراجع. وفي الثاني، تكون إسرائيل قد نجحت في استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية، وهو أقصى ما تتمناه تل أبيب.
لكن الذي حدث إلى الآن أن إيران لم تُبدِ استعداداً لأيّ تنازل يتصل بثوابتها النووية والاستراتيجية، بل انتقلت من سياسة «الصبر الاستراتيجي» الذي استمرّ لعام، وتخلّلته اتصالات دبلوماسية مكثفة بينها وبين الدول الموقعة على الاتفاق، وتحديداً الأوروبيين، إلى مرحلة الرد المدروس والمتدرج. بدأ الرد بتخفيف التزاماتها بخصوص فائض المواد النووية المخصبة والمياه الثقيلة، لكن الخطوة التي ستكون لها ارتدادات أكبر في الغرب وكيان الاحتلال، هي رفع مستوى التخصيب بعد 60 يوماً، في حال عدم تلبية مطالبها. وفي مقابل الحشود العسكرية، ردت طهران بسلسلة رسائل تهدف إلى تفريغ الضغط العسكري الأميركي من مفاعيله، عبر وضعها إياه في سياق الحرب النفسية، وتجديدها ثقتها بقدرتها على مواجهة أي خطوات عدوانية، ورفضها طلب ترامب منها الاتصال به للتفاوض.
تخشى إسرائيل أن تخرج إيران من هذا التحدي منتصرة، الأمر الذي سيترك تداعياته على الأمن القومي الإسرائيلي والمعادلات الإقليمية. على هذه الخلفية، كشف مصدر أمني إسرائيلي أن الاعتقاد السائد في المؤسسة الأمنية هو أن «التغير في العلاقات (أميركا ــــ إيران) سيؤدي إلى انعطافة استراتيجية في المنطقة»، وتحديداً في سوريا حيث تواصل إسرائيل اعتداءاتها تحت عنوان «المعركة بين الحروب»، وفي قطاع غزة الذي تخشى تل أبيب من أن تستغل حركة «الجهاد الإسلامي» فيه تزايد الانشغال الإسرائيلي بالتوتر الإيراني ـــ الأميركي وانعكاساته «من أجل زيادة الضغط وطلب تطبيق التفاهمات» الخاصة بالتهدئة.

رغم الثناء الإسرائيلي على ترامب، ثمة قلق من توقفه عند حدّ معين


في الإطار نفسه، رأى وزير الطاقة، عضو «المجلس الوزاري المصغر» (الكابينت)، يوفال شطاينتس، أن الأمور بين واشنطن وطهران «تزداد حماوة»، من دون استبعاد أي تداعيات قد تترتب عن الضغوط الأميركية، بما فيها إطلاق صواريخ على إسرائيل. وكشف شطاينتس، في مقابلة مع موقع «يديعوت أحرونوت»، عن حقيقة الرهان الإسرائيلي على «شرخ داخلي في إيران وارتفاع أصوات تطالب بتفكيك البرنامج النووي»، مؤكداً أنه لا يهمّ إسرائيل ما إذا كان ترامب سيجري مفاوضات مع الإيرانيين، بل «المهم أن تكون حول تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية والى الأبد، كما حدث مع ليبيا قبل 15 عاماً». ولفت عضو «الكابينت» إلى أن «هذا هو هدف ترامب... يبدو لي أن الولايات المتحدة مصممة جداً (على تحقيق هذا الهدف) وتمارس ضغوطاً اقتصادية وسياسية ثقيلة جداً» لهذه الغاية.
أيضاً، كان لخبراء أساسيين في الساحة الإسرائيلية تقديراتهم ومواقفهم، من أبرزهم رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، اللواء عاموس يادلين، الذي رأى أننا «بعيدون عن مواجهة عسكرية تامة بين الولايات المتحدة وإيران»، مقدراً أن الخطوات التي أقدمت عليها الولايات المتحدة حتى الآن هدفت إلى إيصال «الرسالة إلى إيران». وأشار يادلين إلى أن إيران انطلقت بعد سنة من «الصبر الاستراتيجي» في مسارين: الأول نووي للضغط على الأوروبيين، والثاني عسكري لجني أثمان من الأميركيين، وربما الإسرائيليين، مشيراً إلى أن المفتاح كان وما زال في الرد الأميركي ــــ الإسرائيلي على الخطوات الإيرانية. ولذلك، أوصى بسلسلة خطوات لمواجهة هذا التحدي، مشدداً على «الحذر الاستخباري والاستعداد العملياتي لأي مسار عسكري إيراني، والاتفاق على استراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة لإحباط أي مسارات عسكرية والرد عليها... وفي حال العودة إلى المفاوضات، ينبغي الاتفاق مع واشنطن على طبيعة الاتفاق المعدل المقبول لدى إسرائيل».
على خط موازٍ، دعا يادلين إسرائيل إلى «المحافظة على يقظتها» من ناحية الميزانية (الأمنية)، مبرراً ذلك بأنه إذا اختارت إيران التحدي وانسحبت من الاتفاق وبدأت تخصيب اليورانيوم، فهي بذلك «تتخطى خطاً أحمر إسرائيلياً، وليس من المؤكد أن الولايات المتحدة ستعمل عندئذ»، مضيفاً أن «على إسرائيل أن تعدّ برنامج عمل لا يعالجه الجيش حالياً... شخص مثل رئيس الحكومة وضع الموضوع الإيراني في رأس اهتمامات الأمن القومي عليه أن يحول إلى هناك مئات المليارات».
حتى الآن، ثمة ارتياح في إسرائيل إزاء مفاعيل العقوبات القاسية على إيران، لكنّ هناك إدراكاً في الوقت نفسه لحقيقة أن المسافة بين آثار العقوبات وخضوع طهران لا تزال طويلة، وتعترضها الكثير من العقبات والمخاطر التي تمتد إلى قلب تل أبيب. ورغم الثناء الذي يلقاه ترامب من المسؤولين الإسرائيليين إزاء الخيارات التي ينتهجها لمصلحة إسرائيل، فإن قلقهم لا يقتصر على فشل مخططاتهم، بل إمكانية تراجع الرئيس الأميركي في أي محطة مفصلية. واستناداً إلى هذا القلق، دعا يادلين، الذي كان يتولى رئاسة «الاستخبارات العسكرية» سابقاً، إسرائيل، إلى أن «تعدّ نفسها لإمكانية أن تضطر إلى مواجهة إيران وحدها».