لم يعد الحديث عن حرص تل أبيب على تجنّب تصدّر واجهة التهويل ضد إيران في مرحلة التصعيد الأميركي الحالية مجرّد تقدير ينطلق من معطيات الواقع، بل أصبح حقيقة تؤكدها التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي كشفت أن هذا التوجه هو نتيجة قرار اتخذه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتتناغم معه المؤسستان السياسية والأمنية. وينبع هذا القرار من حرص تل أبيب على ألّا تبدو كَمَن يدفع نحو توريط واشنطن في حرب مع طهران، يبدو منسوب المغامرة غير المحسوبة فيها مرتفعاً جداً. ولعلّ أكثر ما تخشاه إسرائيل، في هذا الإطار، هو التبعات المحتملة لذلك التحريض في الداخل الأميركي، وانعكاساته على كلّ من يتحمّل مسؤولية الدفع في اتجاه هذه الحرب.

مع ذلك، يفيد التقدير الإسرائيلي، المتبلور في الكيان خلال الأيام الأخيرة، والذي شارك في وضعه رئيس الحكومة ووزير الأمن إضافة إلى كبار ضباط الجيش والاستخبارات العسكرية وهيئة الأمن القومي، بأن «ثمة مواجهة (ليست حرباً) إيرانية ــــ أميركية قريبة في الخليج». ووفقاً للتقارير الإعلامية الإسرائيلية، فإنه على الرغم من عدم وجود توقعات في شأن حجم هذه المواجهة ومدى سخونتها، إلا أن الأجهزة المختصة تحاول استشراف سيناريوات انعكاساتها المحتملة على إسرائيل. وانطلاقاً من أن هذا النوع من النشاط يأتي في سياق المهامّ التقليدية للأجهزة المعنية، تشدد التقديرات نفسها على «وجوب الاستعداد للمواجهة، والأخذ بالاعتبار احتمال أن تتطور بالتدريج، وأن تجد إسرائيل نفسها في خضمّها في مرحلة معينة».

قلق في تل أبيب من إمكانية ارتداع ترامب عن المغامرة العسكرية


في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة وجود قلق عميق في تل أبيب من إمكانية ارتداع الرئيس الأميركي عن المغامرات العسكرية، وهو ما قد يؤدي إلى انكفائه أولاً، ومن ثم فقدان اهتمامه بالموضوع، وبالتالي تخفيف الضغوط. لكن تل أبيب تدرك أن تصدّرها واجهة التهديدات ضد إيران سيؤكد حقيقة أن السياسة التي تنفذها الولايات المتحدة ليست إلا تلبية لمصالح إسرائيلية، وقد يدفع أطراف محور المقاومة إلى التصدي المباشر للتهديد الإسرائيلي، وهو ما سيرفع من درجة التوتر الإقليمي، وينعكس أيضاً على الداخل الإسرائيلي. كذلك، يبدو أن عقدة العراق لا تزال تلاحق رئيس الحكومة الإسرائيلية، وفق ما يشير إليه حديث المعلّق السياسي الإسرائيلي في موقع «المونيتور»، بن كسبيت، حيث يقول إن «نتنياهو شارك في جلسات للكونغرس الأميركي قبل حرب العراق عام 2003، وادّعى أن الرئيس العراقي حينها، صدّام حسين، يسعى إلى تطوير سلاح نووي، وأن إسقاط النظام العراقي سيساعد في كبح إيران واستقرار الشرق الأوسط كلّه، إلا أنه تبيّن لاحقاً أن كل ما قيل عن ذلك لم يكن صحيحاً، إذ لم يكن في العراق أي مؤشرات على التطور النووي، وأدى سقوط صدام حسين إلى سلسلة أحداث أشعلت النار في المنطقة كلها».
لكن انطلاقاً من اعتبار القيادة الإسرائيلية أن المسار الذي ينتهجه ترامب ستترتّب عليه تبعات استراتيجية ترسم مستقبل إسرائيل والمنطقة، تؤكد التقارير نفسها أن نتنياهو «يصلّي كي ينجح بولتون في إقناع ترامب بالتحرك عسكرياً ضد إيران»، مع حرص من قِبَله على ألا يبدو كَمَن يقوم بذلك، أو أن يظهر متماهياً مع نظرة بولتون. الواضح حتى الآن أن ما جرى لا يلبّي الحد الأقصى لطموحات تل أبيب، إلا أن السياسة التي تنتهجها إدارة ترامب تجاه طهران تمثل ترجمة لِما كان يدعو إليه نتنياهو منذ سنوات، وتحديداً في ما يتصل بإعادة فرض العقوبات على إيران، بهدف إخضاعها وتحريض شعبها على نظامه الذي يتمسك بثوابت استراتيجية ترى فيها إسرائيل التهديد الأكبر لواقع أمنها القومي ومستقبله. مع ذلك، يدور الانطباع المتكوّن في تل أبيب حول أن التوتر الذي تشهده منطقة الخليج قد لا يكون سوى محطة في سياق مسار له حلقاته اللاحقة. وعلى هذه الخلفية، يأتي تأكيد مصدر سياسي إسرائيلي رفيع أن ترامب «قام حتى الآن بكل الأمور الصحيحة، والضغط الأميركي ترك مفاعيله على الاقتصاد الإيراني، لكن هذا لم ينته».



خطر إيران علمي... وأبدية إسرائيل مقولة كاذبة


على رغم أن البعد النووي له خصوصيته بمعايير الأمن القومي الإسرائيلي، وأن إسرائيل، عندما تعبّر عن خشيتها من امتلاك دولة مثل إيران قدرات نووية ذاتية إنما تعبّر فعلاً عن حقيقة مخاوفها حتى لو كانت متأكدة من أن الجمهورية الإسلامية لا تنوي إنتاج أسلحة نووية، إلا أن التركيز على هذا البعد يستهدف أيضاً إخفاء خلفيات أخرى. إذ يعتقد أحد أهم المعلقين السياسيين في إسرائيل، أمنون أبراموفيتش، وفق ما أفصح عنه في مقالة في صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل عدة أيام، أن القيادة في إسرائيل «تبثّ الرعب فينا من السلاح النووي الإيراني... إلا أن الخطر الحقيقي، البعيد الأمد، يتركز في مكان آخر: رصد ميزانيات للنشاط العلمي في إيران وهو من الأعلى في العالم. نشاطها البحثي أكثر كثافة من معظم الدول. وحجم المنشورات العلمية لباحثين إيرانيين ينمو باستمرار». في المقابل، يتساءل أبراموفيتش عمّا يحدث في إسرائيل على المستوى العلمي، لافتاً في هذا الإطار إلى التحذيرات المتلاحقة من «انهيار البحث العلمي في إسرائيل، وانهيار التعليم العالي، بينما العلوم والتكنولوجيا في حالة تراجع مستمر»، مضيفاً أن «الحكومة، ولاعتبارات سياسية، تموّل الجهل (في إشارة إلى مدارس الحريديم التي ترفض تدريس العلوم واللغات)، وتقدّس المناعة الائتلافية، وتشطب المناعة القومية». ويعتبر أن «الثقافة والعلوم باتت أمراً يبعث على الخجل، ومصطلح النخبة يوازي مصطلح اليسار، الذي بات أيضاً شتيمة ولعنة». ويشير إلى أنه «لا يوجد في إسرائيل، في العقد الأخير، كنز مطلوب أكثر من جواز سفر أجنبي»، معتبراً أن ثمة «سبباً صامتاً غير معلن» لذلك، وهو «انسداد الأمل. الإسرائيليون لا يؤمنون بأن إسرائيل الثنائية الإثنية، والثنائية القومية، والحريدية، ودولة الإكراه الديني ذات الأجندة السياسية الفاسدة، ستنجح في البقاء لعقود كثيرة أخرى. حتى أولئك الذين يصوتون بشكل دائم للحزب الحاكم يتخوفون من أن أبدية إسرائيل هي مقولة كاذبة». ويذكّر بأن «زعماء الليكود قدموا دائماً مصلحة الدولة على أي مصلحة سياسية حزبية وشخصية (...) لكن نتنياهو الآن، ومن أجل الحؤول دون مشكلة صغيرة هي لائحة اتهام، يعمل على تأليف حكومة حريدية مع يمين متطرف، ويحوك مؤامرة من أجل إخصاء مؤسسات القانون والقضاء. إنهم يضعون في كفة الميزان التاريخي الهيكل الثالث (إسرائيل)، وليس مجرد ملفات فساد نتنياهو».