تقابل طهران التصعيد الكلامي من قبل دونالد تارمب، بالتمسك برفض التفاوض. وفي الوقت نفسه يواصل الإيرانيون رسائلهم في الاتجاهات الأخرى، وإلى جانب الدعوة إلى حوار مع الدول الخليجية، يخرج الإيرانيون مع ما في جعبتهم من أوراق، آخرها الإعلان عن أن إنتاج اليورانيوم المخصّب قد تضاعف إلى 4 أضعاف، في رسالة ضغط جديدة على شركاء الاتفاق النووي.

منذ تصاعد الهجمة الأميركية، تُظهر طهران، يوماً بعد آخر، أن جدول أعمالها مزدحم بردود الفعل على حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويبدو الإيرانيون في تفاعل معدّ مسبقاً ومدروس مع التطورات، ينطلق من قرار بعدم إشعار الجميع (الوجود الأميركي في المنطقة وحلفاؤه الخليجيون، وكذلك شركاء الاتفاق النووي في أوروبا) بالهدوء ما دامت الضغوط متواصلة، وما دام حديث الحرب على الطاولة. وهي استراتيجية شبيهة بتلك التي يأخذ بها ترامب، الذي يحرص على جعل برنامج «الضغوط القصوى» مستمراً وتأثيراته تصاعدية. وفي حين لا تتبنّى طهران أياً من الأحداث التي تبدو في سياق الرسائل الأمنية، تُقدم على خطوات محسوبة تتضمّن رسائل إلى الأوروبيين، بصفتهم شركاء الاتفاق النووي، بهدف الضغط عليهم للتحرّك باتجاه إنقاذ الاتفاق ومكاسبه الاقتصادية والتجارية. في آخر الرسائل الصادرة من طهران، أعلن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أن إنتاج اليورانيوم المخصّب بنسبة 3,67 % قد بلغ 4 أضعاف، بما يعني أنه في طريقه لتجاوز السقف المحدّد في الاتفاق. إلا أنه أوضح، أثناء تفقده منشأة «نطنز»، أمس، أن هذا لا يعني زيادة مستوى التخصيب أو زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي أو تغيّر نوعها، بل رفع طاقة إنتاج اليورانيوم المخصّب.
في الأثناء، تتزايد المؤشرات على تفعيل قنوات الوساطة بين طهران وواشنطن، وبعد لقاء ترامب برئيس الوزراء السويسري، واتصال بومبيو بسلطان عمان، حطّ وزير خارجية مسقط، يوسف بن علوي، بصورة مفاجئة، في طهران أمس، حيث التقى نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وتباحث الطرفان في «العلاقات الثنائية وأهم مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية»، وفق ما اكتفت بالقول وكالة الأنباء الإيرانية. إلا أن تحرّك قنوات التواصل والوساطة التقليدية بين الجانبين، لا يبدو حتى الآن أنه يتجاوز مساعي ومبادرات للتهدئة إلى قبول إيراني بالجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق المطلب الأميركي.

زار وزير الخارجية العماني طهران أمس بصورة مفاجئة


والذهاب إلى المفاوضات لن يكون مبادرة أميركية، بحسب ما أكد ترامب أمس، في حين عاد وأكد الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده تلقّت أكثر من 10 طلبات للقاء إلا أن «الظروف الحالية ليست مناسبة للمفاوضات»، رغم تأكيده إيمانه بالدبلوماسية. وكان ترامب نفى، أمس، أن إدارته تحاول إجراء مفاوضات مع إيران. وقال: «إيران ستتّصل بنا حين ومتى تكون جاهزة لذلك. وفي الانتظار، يستمر اقتصادها في الانهيار. أنا حزين جداً للشعب الإيراني!». وفي مقابلته مع شبكة «فوكس نيوز»، جدّد ترامب التأكيد أنه لا يريد الحرب، واستدرك بالقول «لا يمكننا أن ندعها تمتلك أسلحة نووية، لا يمكننا السماح بحدوث ذلك أبداً». وفي ردّ على سؤال بشأن ما قصده السناتور ليندسي غراهام، المقرّب من ترامب، عندما تحدّث عن أن الرئيس يريد «غزوات مختلفة»، قال ترامب: «إذا كان هناك غزو فهو غزو اقتصادي»، معتبراً أن إيران «تعرضت لدمار كامل من الناحية الاقتصادية». تصريحات ترامب هذه أتت بعد جولة كلامية بينه وبين ظريف، بدأت بتهديد صريح من الرئيس الأميركي بـ«إنهاء» إيران إذا هدّدت الولايات المتحدة، وهو ما رد عليه وزير الخارجية الإيراني بالتأكيد أن «تبجّحات» الرئيس الأميركي «لن تقضي على إيران»، مضيفاً «لا تهدّدوا إيرانياً أبداً. جرّبوا الاحترام فهو أفضل!».
وفي الوقت الذي تتمسّك فيه طهران برفض دعوة ترامب إلى التفاوض، فهي تبدي استعدادها لحوار إقليمي يجمع بلدان الخليج. وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومجلس الأمن الدولي، جدّد المبعوث الإيراني الدائم لدى الأمم المتحدة مجيد تخت روانجي، الدعوة إلى «إنشاء منتدى جماعي للحوار في منطقة الخليج لتسهيل الاتفاق على نطاق واسع من القضايا، بما في ذلك تدابير بناء الثقة والأمن، ومكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وضمان حرية الملاحة والتدفق الحر للطاقة». وحثت الرسالة غوتيريش على اتخاذ تدابير لتعزيز أمن منطقة الخليج العربي واستقراره. في غضون ذلك، رأى وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت أن الأميركيين «لا يريدون حرباً مع إيران، لكن إذا تعرّضت المصالح الأميركية لهجوم فسيردّون»، داعياً الإيرانيين إلى «التفكير في هذا الأمر بتمعّن شديد».
(رويترز، الأناضول)