تواصلت سياسة توجيه الرسائل المتبادلة بين الأطراف المتنافسة في الساحة السياسية الإسرائيلية، في إطار الكباش حول تشكيل الحكومة. ومع أن الرئيس المكلف، بنيامين نتنياهو، يواصل مساعيه لإقناع أطراف الصراع بتقديم المزيد من التنازلات، فإنه يتحرك على أكثر من مسار في محاولة لتوجيه المزيد من الرسائل التي يوحي بها أنه عازم على الذهاب إلى انتخابات مبكرة. ومن جهة أخرى، يسعى إلى بلورة اقتراحات تكون حلولاً وسطى وسلماً يمكن أن تنزل به الأطراف عن أعلى الشجرة التي صعدت إليها، إن كانت تنوي فعلاً تخفيض سقوفها.

وفي موقف يُعبِّر عن قدر من الخيبة، أقرّ نتنياهو بعد لقاء فاشل مع رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، بأنه لم ينجح في إقناع الأخير بالدخول في الائتلاف الحكومي، متذرعاً بأن الناخب أراد أن تتشكل حكومة يمينية، ومعلناً أنه بذل جهوده لمنع الذهاب إلى انتخابات جديدة ومكلفة. وفي محاولة لرمي كرة المسؤولية على شركائه المفترضين، ادعى نتنياهو أنه لا يوجد سبب للتوجه إلى الانتخابات، خاصة أن «الحل موجود ويمكن التوصل إليه خلال دقائق». وللتغطية على الأبعاد الشخصية في إعادة الانتخابات (منع تكليف أحد غيره)، دفع بالعناوين الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بوصفها مبررات لتشكيل الحكومة، مشيراً في الوقت نفسه إلى «تعزيز الاستيطان وتعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، وأمور أخرى». وهو ما أعلنه أيضاً رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، الذي غرّد على «تويتر» قائلاً: «آمل أن ينجح نتنياهو في إقامة ائتلاف حكومي. أتمنى أن تستقر الأمور في تشكيل الائتلاف بإسرائيل، أنا وبيبي نواصل التحالف القوي بين أميركا وإسرائيل. هناك الكثير لنفعله».
نتنياهو لفت أيضاً إلى أن الذهاب إلى انتخابات جديدة سيؤدي إلى شلّ الكيان لستة أشهر أخرى، مشدداً على أنه سيبقى يواصل مساعيه بكل السبل من أجل تشكيل الحكومة في الوقت الباقي الذي ينتهي منتصف ليل غد (الأربعاء). وعلى خط موازٍ، يواصل مساعيه الحثيثة كي يحول دون عودة التكليف إلى أي شخصية أخرى. ومن أجل ذلك، دفع باقتراح قانون حلّ الكنيست، الذي صُدِّق عليه في قراءة تمهيدية بأغلبية 65 عضو كنيست مقابل معارضة 43 عضواً وامتناع ستة.
مع ذلك، تحمل هذه الخطوة أكثر من احتمال. فهي قد تكون خطوة أولى في الطريق إلى إعادة الانتخابات، من دون أن يتعارض ذلك مع كونها جزءاً من مناوراته للضغط على ليبرمان، وهو ما سيتضح خلال الساعات المقبلة. كذلك، وقع خلاف في الكنيست حول موعد إجراء الانتخابات الجديدة، إذ إن الأحزاب الحريدية طالبت بأن تكون في نهاية آب/ أغسطس المقبل، في حين أن «إسرائيل بيتنا» طالب بأن تكون في أيلول/ سبتمبر. وبفعل ضغط الوقت، دُفع المشروع في خطوات سريعة بعد أن كان يستغرق إعداده في حالات مشابهة شهراً ونصف شهر.
وكان نتنياهو قد قدم اقتراحاً للحل استناداً إلى مبادئ الجيش والمعطيات التي حددها في كل ما يتعلق بتجنيد الحريديم. وينص الاقتراح على تمرير القانون الذي توصل إليه ليبرمان مع قادة المؤسسة الأمنية والجيش، على أن تتخذ حكومة نتنياهو قراراً بتحديد أهداف التجنيد من الحريديين، فيما اقترح «إسرائيل بيتنا» عدم إشراك أعضاء الكنيست عن الحريديم في قضية قانون التجنيد. وفي هذا السياق، كان وزير الإسكان الإسرائيلي السابق، والقيادي في حزب «شاس» الحريديّ، آرئيل أتياس، قد قدم اقتراحاً الأسبوع الماضي، وينصّ على تمرير القانون الذي توافق عليه ليبرمان مع قادة الأمن كما هو، في موقف يهدف إلى إيجاد مخرج لليبرمان وتقديمه كمن حقق إنجازاً يتصل بالقانون، ولكن على أن تحدد الحكومة أهداف التجنيد من الحريديم، إذ ستكون فيها كلمتهم أكثر تأثيراً من ليبرمان، لكن الأخير عارضه.
في كل الأحوال، تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية سباقاً بين الوقت الآخذ بالنفاد، وبين المساعي التي يبذلها نتنياهو وقد تحولت إلى محطة مصيرية لمستقبله السياسي والشخصي. ومع أن كل الاحتمالات مفتوحة في أكثر من اتجاه، فإن العديد من المحللين في إسرائيل ما زالوا يرجحون أن الحكومة ستتشكل في الساعات الأخيرة.