صعود اليمين المتطرف يعكس رفضاً للنيوليبرالية وذعراً هوياتياً

ليس لدى الخضر برنامج سياسي شامل

أظهرت نتائج الانتخابات الأوروبية تحولات مهمة في المشهد السياسي على مستوى عدد كبير من بلدان القارة، أبرزها استمرار قوى اليمين المتطرف في الصعود من جهة، وما سُمّي «الموجة الخضراء» من جهة أخرى، نتيجة التصويت المرتفع لمصلحة مرشَّحي الأحزاب والحركات المدافعة عن البيئة. كشفت هذه الانتخابات أيضاً تراجعاً لأحزاب يمين ويسار الوسط، التي هيمنت لعقود على الأنظمة السياسية في أوروبا، والتي دخلت في أزمة مستفحلة في الآونة الأخيرة. آلان غريش، مدير موقع «شرق 21»، والكاتب والمفكر المتخصص في الشؤون العربية والقضية الفلسطينية وبعلاقات الغرب بالإسلام وبالجاليات العربية والمسلمة المهاجرة، رأى في مقابلة مع «الأخبار» أن ما تشهده المجتمعات الأوروبية من تأزم يعود إلى طبيعة الخيارات المعتمدة عند الشروع في البناء الأوروبي، وإلى تداعيات هذا البناء على دول الاتحاد وعلى القوى والأحزاب السياسية فيه. ولغريش مجموعة واسعة من المؤلفات، بعضها مترجم إلى العربية، منها «الإسلام والجمهورية والعالم»، و«عن معنى اسم فلسطين».
أوروبا في أزمة. هذا أول ما تؤشر عليه نتائج انتخابات الـ26 من أيار/ مايو باعتقاد آلان غريش: «هناك تفكك متزايد لأوروبا. لقد أظهرت نتائج التصويت اختلاف الأوضاع من بلد أوروبي إلى آخر، وفقدان أحزاب يسار ويمين الوسط صدقيتها، وانخفاض نسبة التصويت لمصلحتها في عدة دول، وبروز قوى سياسية تُعَدّ بديلة لتلك التقليدية، كأحزاب الخضر، التي عادة ما تحصل على تصويت أفضل على المستوى الأوروبي العام منه على المستوى الوطني في كل بلد. ولا شك في أن الأزمة البيئية، وأزمة مشروعية الأحزاب التقليدية، وحقيقة أنْ ليس للخضر برنامج سياسي فعلي يسمح بتصنيفه بنحو حاسم، إذ إنه لا يملك مثلاً موقفاً حاسماً بالنسبة إلى السياسة الاجتماعية أو بالنسبة إلى السياسة الخارجية، هي جميعها عوامل إيجابية أكسبته أصواتاً».
يضيف غريش أن «اليمين المتطرف الصاعد على نطاق القارة ينقسم في البرلمان الأوروبي إلى ثلاثة تشكيلات لا تتفق على قضايا كثيرة: ففي السياسة الدولية مثلاً، هم يختلفون في مواقفهم من روسيا، والأمر نفسه ينطبق على السياسات الداخلية والاقتصادية. ما يجمعهم هو العداء المشترك للهجرة. لا يكفي هذا العداء ليشكل أساساً لخيار سياسي موحد. إضافة إلى ذلك، يعتقد أوربان بضرورة رفض دخول أي مهاجر، بينما يرى سالفيني أنه ينبغي توزيع المهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا على مختلف الدول الأوروبية. أظن أن نتائج هذه الانتخابات ستضاعف من صعوبة عمل البرلمان الأوروبي، ومن شلل الاتحاد ومؤسساته، وهو الذي عجز حتى الآن عن بلورة سياسة خارجية مشتركة بين أعضائه. وإذا أضفنا هذه المعطيات إلى تلك المرتبطة بفقدان الأحزاب السياسية التقليدية شعبيتها وصدقيتها داخل أغلب بلدان الاتحاد، وتفكك النظام السياسي السائد فيها نتيجة لذلك، يتضح لنا أن الحكومات الحالية ستكون أسيرة لمشكلاتها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، وستعجز عن الإيفاء بوعودها بشأن المضي قدماً في البناء الأوروبي».
صعود اليمين المتطرف يندرج في سياق دينامية عالمية، ولكن هل له إضافة إلى ذلك أسباب أوروبية خاصة؟ «هذا الصعود يعكس رفضاً للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من عشرين عاماً. هذا الرفض يفسر أيضاً التصويت لمصلحة الخضر. يُنظر للاتحاد الأوروبي على أنه مؤسسة فوق قومية تتبع سياسات لا تتلاءم مع مصالح الشعوب، خصوصاً أن فتح الأسواق بشكل كامل ودون أدنى قيود أو ضوابط يتناقض مع هذه الأخيرة. هذا ما يقوله ترامب أيضاً في الولايات المتحدة. لقد تهاوت تماماً وعلى المستوى العالمي فرضية أن المزيد من الانفتاح ومن التجارة هو الحل للمشكلات الاقتصادية. نحن إذاً أمام رفض واضح للسياسات النيوليبرالية، لكن السؤال هو عن مدى فاعلية الحل القائم على الدفاع عن المصالح الوطنية لكل بلد على حدة، والذي ينادي به أمثال ترامب وبولسونارو. السبب الآخر لهذا الصعود هو الهجرة. هي لم تعد تعتبر مجرد تحدٍّ اقتصادي واجتماعي نتيجة لأعبائها المفترضة على البلدان التي تستقبل المهاجرين، بل مصدر تهديد للهوية، لأن غالبية هؤلاء من المسلمين، ما يؤدي إلى انتشار أطروحات من نوع الاستبدال الكبير، أي استبدال القادمين الجدد بالسكان الأصليين الأوروبيين. لا يهمّ إن كان دمج المهاجرين في بلد كألمانيا، وهو الذي استوعب العدد الأكبر منهم عندما بلغت موجة الهجرة حدها الأقصى عام 2015، قد حصل بشكل جيد. التصور المنفصل عن الواقع، الذي أسهمت في ترويجه وسائل الإعلام وحملات الإسلاموفوبيا المستمرة، نجح في إشاعة مناخات خوف يستغلها سياسيون من اليمين واليسار للمزايدة بالقضايا المتصلة بضبط الهجرة والدفاع عن قيم الغرب الثقافية. وبحجة التصدي لاتساع شعبية اليمين المتطرف، قامت أحزاب يمينية ويسارية عملياً بتبني قسم كبير من خطابه، ما زاد من صدقيته عند الرأي العام».
لا تتطابق النتائج التي تحققها القوى السياسية في الانتخابات الأوروبية بالضرورة مع تلك التي تحصل عليها في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو البلدية على المستوى الوطني. يقول غريش: «سأتحدث عن فرنسا لأنني ملمّ أكثر بأوضاعها. منذ سنتين، نجح ماكرون في تفجير النظام السياسي الفرنسي من الداخل. فهو سرّع انهيار الحزب الاشتراكي وأحزاب اليمين، وأتت نتائج الانتخابات الأوروبية الأخيرة لتعزز من موقعه قطباً مضاداً ووحيداً في مواجهة التجمع الوطني ومارين لوبن. فرز الساحة السياسية بين هذين القطبين، ماكرون ولوبين، هو الوضع الأمثل بالنسبة إلى الأول، لأنه سيستفيد من كتلة ناخبين ستصوّت ضد مارين لوبين من دون أن تكون مؤيدة بالضرورة لخياراته السياسية».
لم يتمكن اليسار الجذري، على الرغم مما اعتبره البعض عودة إلى الصراع الطبقي، من كسب دعم قطاعات واسعة من الناخبين. «لقد كانت نتائج الانتخابات صفعة لليسار الجذري»، حسب غريش. «ليس من السهل اليوم تحديد سياسة يسارية بالنسبة إلى موضوع شائك كالبناء الأوروبي والموقف المطلوب الأصح: البقاء في الاتحاد أو الخروج منه. وعلى الرغم من نسبة التصويت العالية لمصلحة اليمين المتطرف، فإن معدل المشاركة المرتفع في الانتخابات الأوروبية يظهر تمسكاً جدياً بأوروبا من قِبَل الناخبين. وحتى الأحزاب القومية، كحزب فكتور أوربان في المجر، لن تخرج من أوروبا، لأن مكاسب البقاء فيها أهم من تلك الناجمة عن الخروج منها. الإشكال هو أن البناء الأوروبي أفضى إلى نشوء شبكة ضخمة من المصالح والعلاقات المتداخلة، وكذلك من القيود، يجعل اعتماد سياسة يسارية من داخله أمراً بالغ الصعوبة، وكذلك الخروج منه. حتى التجمع الوطني، الذي كان ينادي بالخروج من الاتحاد، غيّر موقفه تماماً».
لماذا لم تؤثر حركة «السترات الصفر» واحتجاجاتها الشعبية المستمرة منذ ستة أشهر بنتائج هذه الانتخابات؟ «أثارت السترات الصفر ذعراً حقيقياً في أوساط الفئات الاجتماعية المهيمنة، بما فيها تلك التي تصوّت تقليدياً لليسار، استطاع ماكرون الإفادة منه. الفرز الناجم عن الاحتجاجات الشعبية هو أولاً اجتماعي. قطاع معتبر من اليسار البورجوازي يخشى جذرية الحركة وأساليبها النضالية. الأطراف اليسارية الأخرى لم تقدر على التفاعل إيجابياً مع الحركة، لأن بعضها كان في السلطة في فترات سابقة، ويحمل بدوره قسطاً من المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع، وهي لا تمتلك إجابات واضحة عن التحديات المتصلة بالعولمة وبتأزم البناء الأوروبي. اليسار في أزمة، في أوروبا وفي خارجها. القضية الوحيدة التي تجمع اليوم كتلاً وقطاعات مختلفة، شبابية في معظمها، هي الأزمة البيئية ولسبب مفهوم. فهي تستفحل، ومعها المخاطر على بقاء الإنسانية. لكن أحزاب الخضر تختلف في ما بينها في العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، وفي استعدادها أو عدمه للتحالف مع أحزاب اليسار الأخرى أو حتى اليمين، في حالة الخضر الألمان مثلاً» يختم غريش.