لندن | انقسمت أصوات الناخبين البريطانيين مجدداً في شأن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي (بريكست)، في أحدث جولة من الانتخابات الأوروبية جرت الأسبوع الماضي. وتعرّض الحزبان الكبيران في البلاد، «المحافظون» و«العمّال» معاً، لهزيمة مهينة لمصلحة الأحزاب الصغرى والحديثة التأسيس، وهي نتيجة لا تساعد المملكة على حسم أزمة سياسية ودستورية خانقة تعيشها.

بعد إعلان نتائج الانتخابات لـ73 مقعداً مخصصة لبريطانيا في البرلمان الأوروبي، بدا واضحاً أن الناخبين الغاضبين من أداء الحزبين الكبيرين في ما يتعلق بإدارة ملف «بريكست» خلال الفترة الماضية، حوّلوا هذه الجولة إلى استفتاء جديد في شأن موقفهم من ذلك الملف الشائك. وإذا كان يمكن قراءة النتائج على هذا المبدأ، فإن 55% من الناخبين في بريطانيا أيّدوا أحزاباً تدعم الاحتفاظ بعضوية الاتحاد الأوروبي، وربما إجراء استفتاء شعبي جديد، بينما صوّت الـ45% المتبقون لأحزاب تدعم تنفيذ «بريكست»، ولو من غير اتفاق مع بروكسل.
وقد سيطرت مسألة الـ«بريكست»، حصرياً، على طريقة التصويت من دون أي قضايا سياسية أو اجتماعية أخرى، واختار الناخبون من الجانبين سياسات شديدة الوضوح مؤيدة أو معارضة بشأنها، فمنحوا حزب «بريكست» الذي تمّ تأسيسه قبل أسابيع قليلة 32% من الأصوات، وحزب «الليبراليين الديموقراطيين» (المعارض لـ«بريكست») 21% منها، و«الخضر» (المعارض أيضاً لـ«بريكست») 12%، مُعْرضين بأغلبيتهم عن حزبَي «المحافظين» (الحاكم) الذي بالكاد حصل على 9%، والعمّال (المعارض) ــ 14% ــ، وهما الحزبان اللذان استمرا، خلال السنوات الثلاث الماضية، في اتخاذ مواقف وسطية أدخلت النظام السياسي البريطاني بمجمله في أزمة دستورية خانقة.
ورغم الخسارة الفادحة التي تلقاها «العمّال»، فإن الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات كان الحزب الحاكم، إذ تلقى «المحافظون» أسوأ نتائج حصلوا عليها منذ عام 1832، ولم يعد يمثّلهم في ستراسبوغ (مقر البرلمان الأوروبي) سوى ثلاثة نواب. ولا شكّ في أن الأداء الموغل في السوء لحكومة تيريزا ماي ــــ المستقيلة الآن ــــ وفشلها في تنفيذ «بريكست» بعد 1000 يوم رغم المهل المتجددة، كان دافع ناخبي الحزب لهجره، والتصويت لمصلحة حزب يميني آخر، ذلك أن غالبية المؤيدين انتقلوا إلى تأييد حزب «بريكست» حديث النشأة.

الخاسر الأكبر هو حزب «المحافظون» الذي تلقّى أسوأ نتيجة منذ 1832


وباستثناء العاصمة لندن (التي تقدّم فيها الليبراليون الديموقراطيون) واسكتلندا (التي تقدّم فيها الحزب القومي الاسكتلندي، المعارض لـ«بريكست») وإيرلندا الشمالية التي ستعلن نتائج التصويت فيها اليوم، فإن هذا السيناريو تكرّر بحذافيره في كل القطاعات الانتخابية الأخرى، الأمر الذي أهدى نايجل فاراج ــــ مؤسس حزب «بريكست» ــــ فوزاً صريحاً على كل الأحزاب الأخرى، حاصداً مجموع أصوات أكثر من مجموع أصوات «العمال» و«المحافظين» معاً، إضافة إلى 28 مقعداً نيابياً على الأقل، في قلب برلمان المؤسسة التي تسعى إلى إخراج المملكة المتحدة من عضويتها. وقد دفعت هذه النتيجة الصاعقة فاراج إلى القول إنه يطالب بأن يكون حزبه ــــ غير الممثل في البرلمان البريطاني ــــ جزءاً من عملية اتخاذ القرارات بشأن التفاوض حول «بريكست»، مضيفاً أنه سيكرر فوزه الساحق وينهي «المحافظين» كلياً في الانتخابات العامة التالية.
المناطق الحضرية ــــ ولا سيّما في العاصمة لندن ــــ صوتت بكثافة لم يتوقعها أحد لحزب «الليبراليين الديموقراطيين» الذي كاد يضمحل في الانتخابات العامة عام 2017. ولم تخفِ جو سوينسون، وهي نائبة زعيم الحزب، إدراكها سبب هذه الثقة المفاجئة التي منحها الناخبون له، بوصفه الحزب الأوضح في معارضته «بريكست». وهي قالت فور إعلان النتائج إنه «باتت واضحة أهميّة إجراء استفتاء شعبي ثانٍ للخروج من الكارثة التي تركتنا فيها حكومة ماي». كذلك، ساد مزاج من الابتهاج أجواء حزب «الخضر»، الذي حقق أفضل نتيجة له في تاريخه في المملكة المتحدة بحصوله على 12% من أصوات الناخبين، أهّلته للحصول على سبعة مقاعد في ستراسبورغ، ليصبح رابع أكبر حزب في البلاد مطيحاً «المحافظين» إلى المركز الخامس.
عمّالياً، فشل قيادة الحزب الأكبر أوروبياً من حيث عدد الأعضاء في الحصول على أكثر من 14% من مجموع الأصوات، فتح الباب مجدداً أمام الحرب داخل الحزب بين التيار اليساري الممثل بزعيم الحزب جيريمي كوربن، وتيار اليمين من أتباع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي انتقد اثنان من زعمائه سياسة كوربن علناً، مطالبين بإعادة نظر فورية في موقف الحزب من «بريكست». وقد علّق كوربن على النتيجة المخيّبة للآمال بالقول إن التصويت بالفعل تركّز حول «بريكست»، ملقياً باللوم على حكومة ماي بسبب تعنّتها لثلاث سنوات كاملة، ورفضها المتكرّر الدعوة الى انتخابات عامة مبكرة. ومع ذلك، فإن كوربن يتحمّل، بالفعل، جزءاً من المسؤولية عن هذا الأداء الكارثي لرفضه الانحياز الى موقف أحد جناحَي قاعدة الحزب: الطبقة الوسطى في المراكز الحضرية الكبرى مثل لندن ومانشستر التي تريد البقاء في فضاء الاتحاد الأوروبي، والطبقة العاملة في الأطراف والأرياف، ولا سيما في شمال ووسط إنكلترا ،التي تؤيد «بريكست» متأثرة بالدعاية المكثّفة للصحافة والإعلام اليميني ضد المهاجرين والمسلمين. وهو رفْضٌ دفع بالكثير من كوادر الحزب نفسه إلى التصويت تكتيكياً للأحزاب الأخرى.
نتيجة التصويت في بريطانيا توازت في ما يبدو مع مزاج الناخبين عبر القارة الأوروبية الذين عاقبوا الأحزاب الحاكمة والوسطية لمصلحة تيارات اليمين الشعبوي الصاعدة، ومنحوا دعماً قوياً لـ«الخضر» و«القوميين» مع أداء باهت لليسار الاجتماعي، الذي بمحاولته الإمساك بالوسط لم يعد بقادر على تقديم أي بدائل حقيقية للناخبين. لكن هذه النتيجة المتشظية، بمجملها، تكتسب على الساحة البريطانية أبعاداً أوسع بالنظر إلى الأزمة السياسية والدستورية الخانقة التي تعيشها البلاد، في الوقت الذي تواجه فيه استحقاقاً دقيقاً بشأن «بريكست» خلال خمسة أشهر. فـ«المحافظون» الذين لا يزالون نظرياً ممسكين بالأغلبية في مجلس العموم، يتعين عليهم إجراء انتخابات داخلية لاختيار خليفة للمستقيلة تيريزا ماي، ولا شك في أن تأييد الناخبين لحزب «بريكست» سيدفع هؤلاء المرشحين إلى تبنّي مواقف صقورية، قد تنتهي بأن يقود أحدهم بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي بغير اتفاق، وهو أمر كارثي للاقتصاد على المديين القصير والمتوسط، كما سيتسبب بتقوية دعاوى الانفصال في الأقاليم الساعية إلى الاستقلال عن حكم لندن، في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية وحتى في ويلز، وقد يفتح شهية المملكة الإسبانية لاسترداد جبل طارق.
إلا أن ذلك ليس كافياً أيضاً، فتنظيم الانتخابات الداخلية لحزب «المحافظين» سيستغرق بعض الوقت، الذي لا يمتلكه أحد، ذلك أن الرئيس الجديد لن يُعرف فعلاً قبل نهاية تموز/ يوليو، وسيتعيّن عليه أن يحظى بثقة البرلمان خلال 14 يوماً من لحظة تكليفه، وهو أمر ليس محسوماً أيضاً، في ما قد يقود إلى حلّ البرلمان والدعوة الى انتخابات عامة جديدة تحتاج إلى أربعة أسابيع على الأقل للتحضير التقنيّ لها.