بينما كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يكرّر تهديداته لإيران، انشغلت الأخيرة في ترتيب مواقفها من شركائها الأوروبيين في الاتفاق النووي. معركة شاملة تخوضها طهران للضغط باتجاه إخراج موقف أوروبي واضح ونهائي من التزام عوائد الاتفاق النووي الاقتصادية والتجارية. يضع الإيرانيون الأوروبيين تحت طائلة انتهاء المهلة الممنوحة، ومن ثمّ الانسحاب التلقائي من الاتفاق عبر التخفف من قيوده، ومن جهة أخرى التلويح ببديل لـ«إنستكس»: آلية تبادل مالي مع الصين وروسيا.

في الأثناء، يظل التوتر مخيماً على المنطقة مع الأحداث الأمنية في العراق، ومسلسل الوثائق التي تتهم طهران بالضلوع في عملية خليج عمان، آخرها عرض البحرية الأميركية شظايا لغم لاصق ومغناطيس انتزعته من إحدى الناقلتين المستهدفتين، أكدت أنهما يحملان «تشابهاً صارخاً مع ألغام إيرانية عرضت على الملأ بالفعل في عروض عسكرية». وأوضحت أن «الضرر عند الثقب الناتج من الانفجار يتفق مع هجوم بلغم لاصق، لا مع جسم طائر خارجي اصطدم بالسفينة»، في نفي لرواية الشركة اليابانية المالكة للسفينة.
رغم مسلسل الاتهامات، يصرّ المسؤولون الأميركيون على نفي نيتهم خوض الحرب. وفي وقت قال فيه ترامب: «نحن مستعدون جيداً لإيران. سنرى ما سيحدث»، شرح وزير خارجيته، مايك بومبيو، أن التحرّك الأميركي هدفه «ردع العدوان»، موضحاً أنه جرى ويجري تبادل رسائل مع الإيرانيين، لم يوضح ماهيتها، وأن «الرئيس ترامب لا يريد الحرب، وسنواصل توصيل تلك الرسالة بينما نفعل ما يلزم لحماية المصالح الأميركية في المنطقة».

الرئاسة الفرنسية: كبير مستشاري ماكرون توجّه إلى طهران


على الضفة الإيرانية، لم تختلف المواقف كثيراً، حيث جزم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، علي شمخاني، بأنه «لن تكون هناك مواجهة عسكرية بين إيران وأميركا». ورأى أن هذا الاستنتاج ناجم عن غياب «سبب لنشوب حرب»، مضيفاً: «إلقاء الاتهامات على دول أخرى صار أسلوباً شائعاً بين المسؤولين الأميركيين أثناء محاولتهم الضغط على دول أخرى». تصريحات شمخاني، لوكالة «تاس» الروسية، حملت رسائل للدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي، إذ كشف عن محادثات تجريها بلاده لرفع حجم التجارة مع موسكو وبكين غن لم تسفر المحادثات مع أوروبا عن أي نتائج، مجدداً انتقاد الدول الأوروبية لعجزها عن إظهار «الإرادة الكافية».
في سياق متصل، نبّه متحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إلى أن طهران لن تمدّد مهلة 60 يوماً، علماً أن المنظمة كانت قد ضربت الـ27 من الشهر الجاري موعداً لرفع مستوى تخصيب اليورانيوم. وهو سيكون أيضاً موعداً لاجتماع المديرين السياسيين في الترويكا مع مسؤول ملف إيران في واشنطن، برايان هوك. إزاء المواقف الإيرانية، يظهر الأوروبيين حرصاً على ألّا يخفق الاتفاق، عبر مسعى جديد لبريطانيا وألمانيا وفرنسا قد يكون الأخير، في ظل غياب التوقعات بإمكانية حل الأزمة وضيق الوقت أمام المهلة الإيرانية. وفي هذا الإطار، أعلن مسؤول في الرئاسة الفرنسية، أن كبير مستشاري الرئيس إيمانويل ماكرون، إيمانويل بون، توجّه إلى طهران «لإجراء محادثات رفيعة المستوى للإسهام في خفض التوتر في المنطقة».
المبادرة الأوروبية استبقها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بتبرير تقليص الالتزامات بالاتفاق النووي باعتبارها «الحد الأدنى» من الإجراءات التي يمكن أن تتخذها بلاده بعد عام من انسحاب واشنطن من الاتفاق وإعادة العقوبات. وغمز روحاني من قناة الترويكا الأوروبية، بالقول: «روح الاتفاق النووي وأساسه يستندان إلى العلاقات التجارية والاقتصادية الدولية»، مذكراً بشروط طهران لقبولها المفاوضات مع الولايات المتحدة. ولفت إلى أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة محادثتنا، فعليها خلق الظروف الملائمة لذلك، وقبول شرعية النظام الإيراني»، أما الجلوس إلى طاولة محادثات مع ترامب تحت الضغط، فمعناه، وفق روحاني، «الاستسلام لا أكثر».