لعلّ حارس إحدى خمّارات العاصمة المولدوفية، كيشينيف، لم يكن يعرف أنه سيصبح شخصية مهمة تقود القرار السياسي في «دولة» تبعد عنه 2793 كيلومتراً. أفيغدور ليبرمان، الذي دخل المعترك السياسي عضواً في حزب «الليكود» الإسرائيلي في الثمانينيات، تحوّل من صديق لبنيامين نتنياهو، إلى من قد يُطلق الرصاصة الأخيرة على مستقبله السياسي. هكذا، لأول مرة، تصير المعركة الانتخابية مرتبطة ـــ أولاً ـــ بحزب من 5 مقاعد!

تبدو ملامح المعركة الانتخابية في إسرائيل غريبة هذه المرة. ليس السبب أن لا تنافسَ جدّياً بين الحزبين الرئيسين، أي «أزرق أبيض» (المعروف بـ«حزب الجنرالات») و«الليكود»، بل أن رئيس كتلة يمينية علمانية صغيرة تُدعى «إسرائيل بيتنا» هو من بات يوجّه العمل السياسي ــــ الانتخابي. تهديد أفيغدور ليبرمان، مساء السبت الماضي، بفرض تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد انتخابات الكنيست التي ستجري في 17 أيلول/ سبتمبر المقبل، أنبأ بأن الانتخابات أضحت معركة رأس برأس بينه وبين رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي لم يعد رئيس ائتلاف «أزرق ــــ أبيض»، بيني غانتس، التهديد المباشر له مثلما كان الحال في الانتخابات الماضية. كذلك فإن غانتس نفسه بات يسعى إلى استمالة نتنياهو، أملاً في ضمّه إلى حكومته المقبلة.

أضحت الانتخابات معركة رأس برأس بين ليبرمان ونتنياهو

بناءً على ما تقدم، يعمل نتنياهو على مستويين: الأول، محاولة كبح جماح ليبرمان عبر تركيز النار عليه، وهذا ما يتولّى جزءاً منه نجله يائير نتنياهو، الذي بدأ يغرّد بالروسية لمتابعيه على «تويتر» بهدف مخاطبة مجتمع المهاجرين الروس، الذي يُعدّ خزّان «إسرائيل بيتنا»، وينبش ملفات ليبرمان و«خطاياه». والثاني، السعي إلى توحيد الأحزاب اليمينية من حوله، وإيجاد صيغة لا تفقده أي مقعد من الكتلة، لكونه يدرك تماماً أنه إذا لم يصل إلى خطّ النهاية بـ61 مقعداً مضموناً من الأحزاب اليمينية و«الحريدية» (المتشددة الأرثوذكسية)، وأيضاً من دون ليبرمان، فسيصطدم بدوامة قد تؤدي إلى خسارته رئاسة الوزراء.
يعتقد نتنياهو أن «ليبرمان يخطّط لإطاحته». هذا ما سرّبته مصادر من قلب «الليكود» للإعلام. وفق هذه المصادر، ينظر «رئيس الوزراء إلى ليبرمان على أنه الشخص الذي من الممكن أن يفعل أي شيء من أجل إيذائه وإنهاء حياته السياسية». دليلها أن وزير الأمن السابق حصر رئيس الحكومة في دائرة لم يكن بإمكانه الخروج منها إلا بحلّ الكنيست، لتبقى أمامه فرصة أخيرة لتشكيل الحكومة في أيلول. صحيح أنه، في توقيت المعركة الانتخابية، قد يُفسّر هذا الكلام على أنه محاولة لمساندة نتنياهو في كسب الأصوات، لكن لا يمكن تجاهل مسيرة ليبرمان السياسية وتقلّباتها، التي تشير إلى أن تحالفه مع «الليكود» كان دائماً مرهوناً بحصوله على ما يريد. ولأنه لم يحصل هذه المرة على مراده، سفّر «قانون التجنيد» إلى ما بعد ثلاثة أشهر، حيث قد ينجح حزب من بضعة مقاعد («إسرائيل بيتنا»)، يقوده من كان يوماً حارس ملهى ليلي، في أن يجعل من المستحيل تشكيل حكومة إلا إذا تساوى العلمانيون بالتوراتيين في الواجبات قبل الحقوق.
لم يعد حزب الجنرالات يُشكّل تهديداً على نتنياهو بقدر ليبرمان


هذا ما توعّد به مساء السبت الماضي (في مقابلة مع القناة الـ13 الإسرائيلية)، عندما قال: «(إننا) سنفرض حكومة وحدة وطنية مع الليكود ومع أزرق أبيض، وسنبذل كل ما في وسعنا لعرقلة إقامة حكومة حريدية». تهديد يعزّز محاولاته لإرساء معادلة تكسر التقسيم النمطي بين يمين ويسار في إسرائيل، علماً أنه بتكتيكاته هذه إنما يحقّق ما عجزت أحزاب يسار الوسط طوال العقد الأخير عن تحقيقه، أي استقطاب أعضاء من اليمين إليها، على رغم أن ليبرمان نفسه لن يصبح يسارياً. لكن الأهم أن الرجل بات يرفع راية الحرب ضد تيار «الحريديم» من قلب معسكر اليمين نفسه، بعدما كانت هذه أجندة أحزاب يسار الوسط، مثل حزبَي «تغيير» برئاسة تومي لابيد في 1999، و«هناك مستقبل» برئاسة نجله يائير لابيد.
هذه المفارقات يحاول نتنياهو، منذ حلّ الكنيست في الـ30 من الشهر الماضي، استغلالها في تصوير ليبرمان يسارياً في عيون الجمهور بهدف إصابة «إسرائيل بيتنا» في مقتل، وهو ما كرّره المتحدث باسم رئيس الحكومة أخيراً عندما قال إن «ليبرمان قال بصراحة إنه مستعد للذهاب مع لابيد وغانتس وإقامة حكومة يسارية. إن من يريد حكومة يمينية عليه أن يصوّت فقط لليكود برئاسة نتنياهو». لكن نتنياهو لا يزال يفشل في ذلك، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن ليبرمان في صعود مستمر (آخر استطلاع للرأي نشره معهد «مأغار ماحوت» أمس، يعطيه ما بين 8 و9 مقاعد). وبناءً عليه، يظهر، من خلال تتبّع أنشطة «الليكود»، أن الأخير يعكف على صياغة طرق جديدة للنيل من ليبرمان. وفي هذا الإطار، كشفت صحيفة «مكور ريشون» العبرية أن «الليكود يخصص، في إطار حملته الانتخابية، ميزانية لكسب أصوات المهاجرين الروس». ومن أجل ذلك أيضاً، جنّد الحزب مستشاراً لشؤون المجتمع الروسي في إسرائيل، هو المحامي أرييل بولشطاين، وصعّد نشاطه في وسائل الإعلام المتحدثة بالروسية في إسرائيل، وأنشأ صفحات بالروسية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أعاد تفعيل صفحة «الليكود» بالروسية على «فايسبوك» لمخاطبة الروس، ونشر أخبار هدفها التشهير بليبرمان. استراتيجية يوضح بولشطاين بعضاً من خلفيّاتها بإشارته إلى أن «80 بالمئة من المجتمع الروسي هم ذوو ميول سياسية يمينية ــــ علمانية، ولهذا السبب فهم نقطة التماس بين الحزبين».

صفحة نتنياهو باللغة الروسية على «فايسبوك» (عن الويب)

على الأرض، يحاول نتنياهو تقديم بديل من ليبرمان للشارع الروسي، وهو يستخدم في مقامرته تلك ورقة رئيس بلدية طبريا، رون كوبي، المقرّب منه. قبل ستة أشهر، نجح كوبي في ترؤس بلدية داخل مدينة أصبحت خلال سنوات «توراتية أكثر من الهيكل نفسه». والآن، بعدما حقق ما قد يُعدّ انتصاراً للعلمانية اليمينية على الإكراه الديني اليهودي، وبات شخصية جماهيرية معروفة، أعلن في بداية الأسبوع أنه «سيخوض الانتخابات مترئِساً حزباً يمينياً علمانياً يحارب الحريديم». وفي مقابلة مع إذاعة «103FM» التابعة لـ«معاريف»، قال كوبي: «إنهم (إسرائيلي بيتنا) يخافون منّا. سنفوز بـ15 مقعداً».
إعلان ردّ عليه ليبرمان بالسخرية، واصفاً كوبي بـ«المهرّج»، في وقت يواصل فيه مهاجمة نتنياهو يومياً في مقابلات مع وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، متهماً إياه مرة بأنه استسلم لـ«الحريديم»، وأخرى بأنه أخفق في التعامل مع حركة «حماس»، من باب أن «من يريد القضاء على الإرهاب لا يسمح بدخول الأموال القطرية، وهو يعرف مسبقاً بأنها ستصل إلى جيوب الإرهابيين»، وثالثاً بتحميله مسؤولية التسبب في «تورمات» للاقتصاد، والعجز في الموازنة.