إسطنبول | ليلة أول من أمس، خرج شخص يدعى علي كمال أوزجان، ليقول إنه التقى قائد «حزب العمّال الكردستاني» عبد الله أوجلان، الذي سلّمه نصاً مكتوباً بخطّ يده، يدعو فيه أنصاره وأتباعه إلى البقاء على الحياد في انتخابات الأحد، وعدم التصويت لأي من المرشّحين في هذه الانتخابات. وادعى أوزجان أنه التقى أوجلان في سجن إيمرالي، حيث هو موجود هناك منذ 20 عاماً، مضيفاً: «أنتظر هذا اللقاء منذ 9 سنوات».

كلام أوزجان وضعته أوساط كردية في إطار «المناورة التكتيكية التي استهدفت الناخبين الأكراد»، متوقّفة عند أن «الحظّ حالف أوزجان ليلتقي أوجلان قبل الانتخابات بثلاثة أيام فقط، وليس هناك أي إثبات على مثل هذا اللقاء، بل إن إدارة السجن هي التي أعطت أوزجان صورة من رسالة أوجلان». كما صادف حديث أوزجان هذا، المقابلة التي كان الرئيس رجب طيب إردوغان يجريها في تلك الليلة مع محطّات تلفزيونية موالية له، حيث تطرّق إلى الموضوع، وأشار إلى «خلافات محتملة وصراع على السلطة» بين أوجلان وكلّ من قيادات الحزب الموجودة في جبال قنديل شمال العراق، والزعيم السابق لحزب الشعوب الديموقراطي صلاح الدين دميرطاش، الموجود في السجن هو الآخر. وتحدث الرئيس التركي، في السياق «الكردي» نفسه، عن الزيارة التي قام بها رئيس «إقليم كردستان» العراقي، نجيرفان برزاني، أمس الجمعة، لإسطنبول، وذلك في محاولة أخرى منه لكسب ودّ العشائر الموالية لبرزاني في تركيا، وإقناعها بضرورة العمل من أجل إقناع الأكراد بضرورة دعم بن علي يلدرم، رئيس الوزراء السابق ومرشّح الحزب الحاكم لانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول المعادة غداً.
وأولى الإعلام الموالي لإردوغان كل هذه التطورات أهمية كبيرة، في محاولة منه للتشويش على الناخب الكردي ومنعه من التصويت لمصلحة مرشّح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، علماً بأن هذا الإعلام، ومعه الرئيس إردوغان، كانا قد اتهما أحزاب المعارضة ومرشحها بـ«الإرهاب»، المقصود به التنسيق والتعاون مع «حزب الشعوب الديموقراطي» الموسوم لديهما بأنه «لسان حال الإرهابي عبد الله أوجلان». جاء الردّ سريعاً من قيادات «الشعوب الديموقراطي» في ساعة متأخرة من ليل الخميس، والتي اتهمت إردوغان بـ«التآمر على الأكراد». وعقد الرئيسان المشتركان للحزب، سزائي تاماللي وبارفين بولدان، مؤتمراً صحافياً رفضا فيه أي خلاف مع أوجلان. وقالا إن «الأكراد اتخذوا قرارهم في انتخابات نهاية آذار، ودعموا إمام أوغلو ولن يتراجعوا عن موقفهم». وتحدّث مراد كارايلان، القيادي في «العمّال الكردستاني» الموجود في جبال قنديل، أمس الجمعة، وقال: «الأكراد سيصوتون لأكرم إمام أوغلو»، معتبراً انتخابات إسطنبول «المعركة المصيرية من أجل الديموقراطية في تركيا». وزاد: «لا يمكن للشعب الكردي أن يصوّت لإردوغان وبن علي يلدرم، اللذين احتلا عفرين وقتلا الأكراد وأرادا أن يقضيا على إرادة الأكراد في سوريا». واستغرب كارايلان «مناورة» إردوغان الأخيرة، وقال عنه: «الذي وضع دميرطاش ورفاقه في السجن بتهمة أنهم امتدحوا الإرهابي أوجلان، يجد نفسه الآن مضطراً إلى الاستنجاد به لأنه يعرف جيداً أن الشعب الكردي سيلقّنه درساً قاسياً يوم الأحد».
وعقد محامو أوجلان مؤتمراً صحافياً أمس، أكدوا خلاله صحّة رسالة أوجلان، وقالوا: «لا يهمّنا تفسير أوزجان للرسالة، لأن أوجلان خلال لقائه بنا قال إن قيادات حزب الشعوب الديموقراطي هي التي تمثّل إرادة الشعب الكردي السياسية، وهي التي تضع سياسات الحزب وتتخذ القرارات اللازمة لتطبيق هذه السياسات بشكل يخدم مصالح الشعب الكردي».
وجاءت كل هذه التطورات بعد يومين من نداء وجّهه صلاح الدين دميرطاش لأنصاره، من حيث هو موجود في السجن منذ أكثر من 30 شهراً، دعاهم فيه للتوجّه إلى صناديق الاقتراع بكثافة ودعم أكرم إمام أوغلو. كما تحدّث يوم أمس عبر محاميه قائلاً: «سوف يثبت الأكراد أنهم ليسوا أغبياء، عبر التوجّه إلى صناديق الاقتراع بكثافة». واعتبرت أوساط كردية كلام دميرطاش بمثابة «الضربة شبه القاضية» على آمال بن علي يلدرم، لما لدميرطاش من شعبية كبيرة بين الأكراد بل وحتى الأتراك، مشيرة إلى أن ذلك «رفع من معنويات الجميع، الذين صار واضحاً أنهم باتوا مؤمنين بالنصر الأكيد في انتخابات الغد، وبأن التحالف الكردي التركي هو السبيل الوحيد لإلحاق الهزيمة بإردوغان، والحفاظ على ما تبقى من الديموقراطية التي سينقذها الأكراد» (لهم في إسطنبول حوالى 1.2 مليون ناخب). وسيكون هذا الانتصار، إن تحقّق، نواة التحالف الأكبر بين الأكراد والأتراك بكل انتماءاتهم وميولهم السياسية، من القوميين والليبراليين واليساريين والأتاتوركيين والإسلاميين المعتدلين، الذين بات واضحاً أنه لا خلاص لهم إلا مع الأكراد وبدعم منهم فقط، مهما كانت أخطاء الطرفين، محلياً وإقليمياً ودولياً.