وصلت الولايات المتحدة إلى حدّ ضرب إيران، رداً على إسقاط طائرة أميركية دون طيار، ثمّ تراجعت فجأة. لكن الشروط التي أثارت التوتر لا تزال موجودة، إضافة إلى العقوبات التي يواصل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التهديد بفرضها على طهران. لذا، انطلاقاً من واقع «اللايقين»، حاول الإعلام الأميركي خلال الأيام الماضية استنباط الحلول، عبر اللجوء إلى آراء محلّلين وخبراء، قد تساعد في الخروج من المأزق، الذي ترى غالبية وسائل الإعلام أن ترامب أدخل واشنطن فيه، بسبب مغادرته، أُحادياً، الاتفاق النووي مع إيران.

لم يعد السؤال يتمحور حول كيفية الوصول إلى مخرج آمن فقط، بل إن أسئلة عدّة أخرى تُطرح، منها: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ كيف سينتهي؟ هل هناك أي منفذ إلى المفاوضات التي يكرّر ترامب القول إنه يريدها، خصوصاً بعدما وصل البلدان إلى آخر الطريق المؤدية إلى الحرب؟ بل هل ما زال هناك اتفاق يمكن عقده مع إيران؟ رداً على هذه الأسئلة، وفي مواجهة الأزمة التي لا تنفكّ تتصاعد، وجدت وكالة «بلومبرغ» أن «الأزمة النووية الإيرانية على وشك الدخول في مرحلة جديدة». وفي إحدى المقالات، تنقل عن المدير في «مجموعة الأزمات الدولية»، علي واعظ، قوله إنه «إذا توصلت القيادة الإيرانية إلى خلاصة مفادها أنْ لا خيار لديها سوى إجراء مفاوضات مع واشنطن، فهي ستقوم بذلك فقط من منطلق القوة». ويضيف واعظ أن ذلك يعني أن «المسار إلى مفاوضات جديدة يمرّ عبر مواجهة نووية أخرى محفوفة بالمخاطر». داريل كيمبال، المدير التنفيذي في «جمعية الحدّ من الأسلحة» الموجودة في واشنطن، يعرب، من جهته، في حديثه إلى «بلومبرغ»، عن تفهّمه «شعور إيران بالإحباط بسبب حملة الضغط المتهورة»، لكنه في الوقت ذاته يحثّ طهران على مواصلة التزام الاتفاق النووي، على اعتبار أن سياسة ترامب تجاهها «رفعت من مستوى خطر أزمة نووية جديدة».

«بلومبرغ»: الأزمة النووية على وشك الدخول في مرحلة جديدة


تتكرّر هذه التحذيرات في مختلف وسائل الإعلام الأميركية، وهو ما أوردته صحيفة «ذي نيويورك تايمز» عبر أعضاء في الكونغرس. أفادت الصحيفة بأنّ بعض الأعضاء الكبار في الكونغرس، ودبلوماسيين حاليين وسابقين، يقولون إن «الرهان على أن العقوبات ستقود الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، هو خيال». وفي السياق، نقلت عن السيناتور الديموقراطي، جاك ريد، الذي يُعَدّ عضواً مهماً في لجنة الخدمات المسلّحة، قوله إن «السؤال هو كيف يردّ الإيرانيون الآن، هل سيستسلمون أم سيتصرفون بعدائية أكبر من أجل الخروج من هذه المعضلة؟»، ليجيب بأنّ «ما نراه هو أنهم يتصرفون بعدائية أكبر». ريد رأى أن إيران «متمرّسة بتحمّل العزلة الدولية بالتوازي مع الدخول في حروب غير متماثلة»، معتبراً أنه «يمكن توقّع الضغوط المضادة (من قِبَل إيران) قبل أن تشلّها خسارة العائدات النفطية تماماً».
من جهتها، تحدثت صحف أخرى عن العزلة التي يواجهها ترامب بشكل متزايد بسبب قراراته الأحادية، وهو ما توقفت عنده صحيفة «بوليتيكو»، التي أشارت إلى أن «ترامب يتعلم أنْ ليس من السهل دائماً التحرك بمفرده»، وقالت إن «التصرّفات الأحادية للرئيس الأميركي، في شأن إيران وكوريا الشمالية والصين، تركته يمضي قدماً بمفرده في العديد من قضايا السياسية الخارجية الحساسة»، إلى حدّ أن «أميركا أولاً تحولت إلى أميركا وحدها». «ترامب سحب الولايات المتحدة من اتفاق نووي تاريخي مع إيران، على رغم اعتراضات كل الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق. الآن، هو عالق في مواجهة تتصعّد بنحو خطير مع طهران»، شرحت الصحيفة، مضيفة أنه «قَبِل بالجلوس مع زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، من دون استشارة أحد آخر. الآن، بيونغ يانغ تستأنف اختبارات الأسلحة، ومرة أخرى تستخدم خطابها الناري ضد الولايات المتحدة». كذلك الأمر بالنسبة إلى سياسته تجاه الصين، التي أوصلت البلدين «إلى طريق مسدود، ما يسبب قلقاً عبر الأسواق العالمية».
بوبي غوش، من القلائل الذي وجدوا أن سياسة ترامب تؤتي أُكلها، لكن على طريقته. في مقال في وكالة «بلومبرغ»، رأى أن «ترامب يلعب أوراقه بعقلانية، لمرّة واحدة». وقال إنه «إذا غيّر دونالد ترامب رأيه، وأَمَر بالقيام بهجمات على أهداف إيرانية، فإنه يكون بذلك قد لعب لعبة (المرشد الأعلى في إيران) علي خامنئي». غوش رأى أن «هذا هو الرد الصحيح على استفزازات إيران، أي ترك النظام الإيراني يُلحق الضرر بنفسه أمام الرأي العام العالمي». ومن وجهة نظره، فإن «ضربة عسكرية أميركية الآن، حتى لو تفادت استهداف المدنيين، سيكون من الصعب تبريرها أمام المجتمع الدولي، وبالطبع أمام الأميركيين»، على اعتبار أن «إسقاط طائرة دون طيار يستحق مثل هذا الرد». أما الأسوأ، على حدّ تعبير غوش، فهو أنْ «ليس هناك من سبب للتصديق أنّ ضربة عسكرية يمكن أن تغيّر سلوك النظام الإيراني»، بل إن «ما هو أكثر احتمالاً، أن خامنئي قد يستخدم العدائية الأميركية كطريقة لجذب الرأي العام الإيراني إلى جانبه، حتى هؤلاء الذي يعارضونه».