إسطنبول | بعدما مُني الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بهزيمة مدوّية في انتخابات الأحد الماضي، توقع البعض له أن يستخلص دروساً من هذه النتيجة، ويسلك نهجاً معتدلاً ومرناً؛ ويعود، بالتالي، إلى أسلوبه الديموقراطي الذي كان عليه قبل «الربيع العربي/ 2011» عندما كان صديقاً للجميع وخاصة الرئيس السوري بشار الأسد. أمس، اعترف إردوغان في حديثه أمام الكتلة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» بانتصار أكرم إمام أوغلو، وهنّأه، من دون التخلي عن نهجه التقليدي في الهجوم على المعارضة وتكرار مقولاته السابقة في السياسة الداخلية والخارجية بما في ذلك ملفات صفقة «S-400» والشمال السوري، غير أنه لم يتطرّق إلى الوضع في إدلب. وكرر الرئيس التركي الحديث عن «المعطيات الإيجابية» في الاقتصاد، مستبعداً أن «تؤثر المؤامرات الخارجية على الوضع الاقتصادي».
صوّت أنصار «الشعوب الديموقراطي» لمصلحة إمام أوغلو


في غضون ذلك، لا تستبعد بعض الأوساط السياسية أن يواجه إردوغان الكثير من المشاكل داخل حزبه «العدالة والتنمية»، بوجود معلومات عن وجود تحركات للرئيس السابق عبد الله غول، ورفاقه، بهدف تشكيل حزب سياسي قد ينضم إليه ما لا يقل عن 50 من أعضاء البرلمان عن «العدالة والتنمية»؛ وهو أمر ــــ إن تحقق ــــ سيفضي إلى خسارة حزب إردوغان الأغلبية النيابية. ما يبدو واضحاً، هو أن الأكراد سيتحولون إلى عنصر رئيس في مجمل المعادلات التي ستقرر مستقبل تركيا، بإردوغان أو من دونه. فقد نجح التحالف «التركي ــــ الكردي» في إسطنبول، في تحقيق انتصار كبير أمام إردوغان، الذي قاد الحملة الانتخابية بنفسه بعدما سخّر جميع إمكانات الدولة و95 في المئة من الإعلام الحكومي والخاص؛ وشنت الأخيرة حملة مسعورة ضد إمام أوغلو وأحزاب المعارضة، متهمة إياها بالإرهاب، والمقصود به التعاون مع «حزب الشعوب الديموقراطي». وكان لهذه الحملة المدعومة بلهجة الاستفزاز والتصعيد والتحريض، رد فعل سلبي على الشارع الذي أثبتت الاستطلاعات أنه بات يبتعد عن «العدالة والتنمية». وهو ما دفع إردوغان، قبل يومين من الانتخابات، إلى الاستنجاد بورقة عبد الله أوجلان. ورغم ذلك، صوّت أنصار «الشعوب الديموقراطي» وأتباعه وهم أكثر من مليون ناخب في إسطنبول، لمصلحة إمام أوغلو، فيما فضّل كثير من أنصار «العدالة والتنمية» وحليفه حزب «الحركة القومية» البقاء في بيوتهم، استنكاراً لمناورة إردوغان باستجرار دعم أوجلان، بعدما قال عنه ما قاله طوال الأشهر الماضية.
ويتوقع كثيرون لتحالف «الشعوب الديموقراطي» مع حزبي «الشعب الجمهوري» و«الخير» في إسطنبول، أن يستمر ليتحول إلى تحالف استراتيجي يحدّد مصير تركيا عبر «المصالحة الوطنية»، التي قد تكون كافية لإلحاق الهزيمة بإردوغان في أول انتخابات رئاسية، يفترض أن تكون في عام 2023. وستحلّ هذه الانتخابات قبل الذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية العلمانية التي سعى إردوغان إلى أسلمتها، وأسلمة الأمة التركية، التي أثبتت بانتخابات الأحد أنها لن تقبل بذلك. وبات احتمالاً ألا يصمد الرئيس إردوغان حتى ذلك التاريخ؛ أولاً بسبب المشاكل داخل حزبه، وثانياً بسبب الأزمة الاقتصادية الخطيرة، وثالثاً المشاكل المرتبطة بالدور التركي في سوريا والعلاقة مع إيران وروسيا والتوتر مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي موقفين متباينين، يراهن البعض على تحوّل «العمال الكردستاني» إلى لاعب أساسي في تقرير مصير تركيا، فيما يرفض البعض الآخر ذلك، ويقول إن إردوغان لن يتقبّل الهزيمة، وإنه سيحاول الانتقام من معارضيه؛ وهو ما سيوتّر الشارع ويزيد من شعبية إمام أوغلو، الذي بات محطّ رهانات على أنه سيهزم إردوغان في انتخابات الرئاسة المقبلة.