بعد أن كانت منظمة «أوكسفام» البريطانية قد توقعت أن يفوق، خلال العام الحالي، ما تملكه شريحة الـ1% المهيمنة من ثروات ومداخيل العالم، ما يملكه سائر الناس مجتمعين، أشار تقرير صدر أمس عن المنظمة نفسها، بعنوان «اقتصاد في خدمة واحد بالمئة»، إلى أن «الفارق بين المجموعة الأكثر ثراءً وباقي السكان تعمّق بشكل كبير خلال الـ12 شهراً الماضية»، ليتحقق تقدير المنظمة قبل عام مما كان متوقعاً. وجاء نشر التقرير قُبيل انطلاق أعمال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في منتجع «دافوس» السويسري، يوم الأربعاء المقبل.
تبيّن المعطيات التي عرضها التقرير، والتي استقاها من قاعدة بيانات لدى مجموعة «كريدي سويس» المصرفية، التسارع في توسع الهوة بين الشرائح الاجتماعية. وجاء في تقرير المنظمة أن «62 شخصاً يملكون ما يساوي ما يملكه النصف الأشد فقراً من سكان العالم»، أي نحو 3.5 مليارات شخص، فيما كانت المجموعة الأولى تتألف من 388 شخصاً قبل 5 سنوات. وتُظهر البيانات أن ثروة هذه الفئة المحظية قد ارتفعت بنسبة 44% منذ عام 2010، لتصل إلى 1.76 تريليون دولار، بينما هبطت ثروة النصف الأفقر من إجمالي السكان بـ41%، أي بما يزيد على 1 تريليون دولار.

سيؤدي التطور التكنولوجي إلى خسارة 5 ملايين فرصة عمل

وبحسب أوكسفام، فإن هذه الأرقام تظهّر الخطر الذي يشكله تعمّق اللامساواة على الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن النمو الاقتصادي، مشيرة إلى الآثار الاجتماعية ــ السياسية لهذه الظاهرة، التي تمثلت، بحسب المنظمة، بالتأييد الشعبي المتزايد للسياسيين «الشعبويين»، وبتصاعد التوترات في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط.
«من غير المقبول أن يملك النصف الأفقر من سكان العالم ليس أكثر من بضع عشرات من الأشخاص الفائقي الثراء، الذين يمكن وضعهم في باص واحد»، قالت المديرة العامة لأوكسفام، ويني بيانيما، مشيرة إلى أن «قلق قادة العالم لتصاعد أزمة اللامساواة لم يُترجم، حتى الآن، إلى أفعال ملموسة». ودعت أوكسفام خصوصاً إلى إنهاء «عصر الجنات الضريبية»، التي يخفي فيها الأثرياء 7.6 تريليونات دولار، بحسب المنظمة التي أشارت إلى أن 9 من عشر مؤسسات من ضمن «الشركاء الاستراتيجيين» للمنتدى الاقتصادي العالمي تعمل من خلال «جنة ضريبية» واحدة على الأقل.
ودعت بيانيما، التي ستشارك في «منتدى الاقتصاد العالمي»، «الحكومات والشركات والنخب الاقتصادية الحاضرة في دافوس إلى أن تتعهد بإنهاء عصر الجنات الضريبية التي تفاقم الفوارق العالمية، وتمنع مئات ملايين الأشخاص من الخروج من الفقر».
أما الموضوع الأساس لـ«منتدى الاقتصاد العالمي»، فسيكون «الثورة الصناعية الرابعة» التي «تتميز بالسرعة والحجم والقوة التي تحوّل بها أنظمة كاملة من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وربما أيضاً جوهر الطبيعة الإنسانية نفسه»، بحسب مسؤول الإعلام في المنتدى، فون ماثوروس. يشرح الأخير أن الثورة هذه ناتجة من التطورات التقنية الهائلة، التي تتمثل في «شبكة إنترنت كلية الانتشار، وأجهزة استشعار أصغر وأرخص وأقوى، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي وقدرة الآلات على التعلّم»، مشيراً إلى «أسئلة مركزية» تطرحها هذه الثورة، منها، «كيف ستُطبَّق التكنولوجيا في أشكال تُسهَم في تحقيق النمو الدامج، عوضاً عن مفاقمة البطالة وتفاوت المداخيل».
ويأتي الجواب في أوراق بحثية قُدمت إلى المنتدى نفسه، تقدّر أن التحولات الناتجة من الثورة التكنولوجية ستؤدي إلى خسارة أكثر من 5 ملايين فرصة عمل بحلول عام 2020، وأن الوظائف الإدارية و«المكتبية» ستتكبد نحو ثلثي هذه الخسائر، بحسب الكاتبة في موقع «بلومبرغ»، جيل وارد. ومن شأن التطورات تلك أن تفاقم اللامساواة، فتحرم الملايين أجورهم، لتزيد من تركّز رؤوس الأموال في أيدي القلة.
إستناداً إلى مسح غطى 15 من الاقتصادات المتقدمة والناشئة، تضم نحو 1.9 مليار من العمال، أو 65% من إجمالي القوى العاملة في العالم، فإن «الثورة الصناعية الرابعة» ستقضي على نحو 7 ملايين فرصة عمل، وتخلق مليونَي فرصة عمل جديدة في مجال الرياضيات والبرمجة والهندسة خاصة، في الاقتصادات هذه، بحسب مؤسس المنتدى المذكور، كلاوس شواب.
وفي هذا السياق، يحذر كبير الاقتصاديين في المصرف المركزي البريطاني، آندي هالداين، المسؤولين المعنيين من خطر عدم التصدي لخطر خسارة ملايين الوظائف، قائلاً إنه «من أجل تفادي السيناريو الأسوأ، حيث يترافق التغيير التكنولوجي مع نقص المواهب البشرية ونسب البطالة العالية وتزايد اللامساواة، فإن تأهيل العاملين وتطويرهم اليوم هو أمر حيوي»، مضيفاً أنّ «من غير الممكن التعامل مع الثورة التكنولوجية الراهنة عبر انتظار مجيء جيل جديد من القوى العاملة الأكثر أهلية».
ولكن هل يكمن الردّ على دفع ملايين العمال خارج «سوق العمل» بالتدريب والتأهيل فقط، أم بإعادة النظر في «اقتصاد السوق» بأسره، والاتجاه نحو سياسات اقتصادية يكون محورها الإنسان ورفاهه، ولا يكون الإنسان فيها مجرد مستهلك ومُدخَلاً من مُدخَلات الإنتاج؟