أدى اتساع نطاق التظاهرات والاحتجاجات خلال الأسابيع الأخيرة في هونغ كونغ إلى تعليق مشروع قانون تسليم المطلوبين إلى الصين. غير أن هذه الحركة الاحتجاجية مثّلت، بالنسبة إلى مطلقيها، مناسبة لإدانة سياسة حكومة هونغ كونغ، والتعبير عن إرادة الدفاع عن الهوية السياسية الخاصة للمدينة، المُهدّدة من وجهة نظرهم بالاتجاه نحو المزيد من السلطوية من قِبَل بكين. تجاوزت التعبئة الشعبية الكثيفة الحالية المستويات التي كانت قد وصلتها خلال «حركة المظلات» عام 2014، مع أنها تشكل امتداداً لتلك الدينامية الاحتجاجية ولحملة العصيان المدني المطالبة بالانتخابات الحرة على قاعدة الاقتراع العام. ويرتبط هذا التطور السياسي بإعادة النظر التدريجية في نموذج «بلد واحد ونظامان» الذي اعتُمد منذ عودة هونغ كونغ إلى الصين. بحسب هذه الصيغة، تتمتع هونغ كونغ بنظام سياسي وتشريعي وقانوني واقتصادي ومالي متمايز. ولكن في الواقع، فإن تجاهل مضمون القانون الأساسي، خاصة لجهة رفض إعطاء حق الاقتراع العام لسكان هونغ كونغ، واختيار عدد من المرشحين لعضوية السلطة التنفيذية من قِبَل «الحزب الشيوعي» الصيني، والرغبة في فرض مادة التربية الوطنية على طلاب المدارس، جميعها عوامل أسهمت في إنتاج الظروف الملائمة للاحتجاجات التي اندلعت عام 2014، بمشاركة رئيسة من القطاعات الشابة من السكان.

ترى ليلى شوكرون، أستاذة القانون الدولي ومديرة «مركز العلوم الاجتماعية والإنسانية» في جامعة نيودلهي في الهند، أن «الدستور المصغر» الذي تم التفاوض عليه بين لندن وبكين، قبل استعادة الأخيرة هونغ كونغ، يمنح سكانها مجموعة من الحقوق غايتها الحدّ من نفوذ الصين داخلها ومن تدخلاتها في شؤونها. وهي تعتقد أن «صيغة بلد واحد ونظامان، التي ابتكرتها الصين، ترتكز على أسس هشة، لأن سلطة تأويل القانون الأساسي وتعديله اعتُبرت من صلاحية اللجنة الدائمة للجمعية الشعبية الوطنية في الصين، وللجمعية نفسها من خلال المادتين 158 و159. هاتان المادتان، وكذلك المادة 23 ذات الصياغة المبهمة التي تتطرق إلى فرضية تمرد محتمل، تلغي بالفعل أي مضمون ديمقراطي. وكانت اللجنة الدائمة للجمعية الوطنية الشعبية منذ سنة 2004 قد رفضت تماماً احتمال انتخاب رئيس السلطة التنفيذية بالاقتراع العام». وما يزيد من المخاوف، وفقاً لشوكرون، هو أن القانون الأساسي لا يضمن حقوق سكان هونغ كونغ سوى لمدة 50 عاماً، من دون التطرق إلى الكيفية التي سيحكمون بها بعد عام 2047.

هونغ كونغ لم تعد محور مشروع «حزام واحد طريق واحد» الذي يواجه تعثرات


من جهته، يرى الباحث في «مركز السياسات الأوروبية»، برونو هليندورف، أن التشدد المتزايد للصين تجاه الاحتجاجات الداخلية والتحديات الخارجية يندرج في سياق تركيزها المتجدد على السيادة وعلى حماية مصالحها كقوة عظمى. ويلفت هليندورف إلى أن «الكتاب الأبيض للدفاع الذي أصدرته الصين يظهر أن الحفاظ على السلم الاجتماعي هو جزء مهم من سياستها»، مضيفاً أن «بعض سكان هونغ كونغ استفاد من التقارب مع الصين، لكن هذا الأمر لم يترجم على مستوى الهوية السياسية. الوضع هجين من هذه الناحية». أما مدير الأبحاث في «مركز دراسات العلاقات الدولية» والمتخصص في الشؤون الصينية، جان فيليب بيجا، فيعتقد أن القوة الناعمة، الاقتصادية أساساً، التي تمتلكها بكين، سمحت لهونغ كونغ بالحفاظ على موقعها كقطب للنشاط المالي وللبورصات في «آسيا الصينية». وفي هذا الإطار، يشير إلى أنه «على الرغم من أن حصة هونغ كونغ من الناتج الداخلي العام للصين أقل اليوم مما كانت عليه عام 1997، فإنها ما زالت قطباً مالياً مركزياً، فهي القناة التي تمرّ عبرها الاستثمارات، وهي تتمتع باستقلالية جمركية نسبية على رغم أن منتجاتها معفاة من الرسوم الجمركية في الصين». من جهة أخرى، فإن مشروع «حزام واحد طريق واحد» الذي طرحه الرئيس شي جين بينغ لإعادة الاعتبار لدور بكين على الساحة الدولية، وتعزيز قوة الشركات الصينية وعلاقات بلاده مع جوارها، جنت منه هونغ كونغ فوائد عديدة، من دون أن يؤدي ذلك إلى تهدئة التناقضات السياسية بينها وبين بكين.

العوائق أمام «حزام واحد طريق واحد»
لم تعد هونغ كونغ، بحسب بعض المحللين، محور مشروع «حزام واحد طريق واحد» الذي يواجه تعثرات. تجزم ليلى شوكرون بأن المشروع يواجه اعتراضات متصاعدة لأن «بكين ليست لديها إمكانيات طموحاتها الكبرى. بعض الدول التي تحصل على المساعدات الصينية عبر الاستدانة قد لا تكون لديها القدرة على دفع هذه الديون للصين في المستقبل. صندوق النقد الدولي أشار إلى هذا الأمر في الأشهر الأخيرة». ويلفت برونو هلندورف، الذي تتمحور أبحاثه حول الأبعاد الجيوسياسية والأمنية لمشروع «حزام واحد طريق واحد»، من جهته، إلى أن «العقود الضخمة التي وُقّعت في ماليزيا تمت إعادة التفاوض حولها في هذا البلد بعد الانتخابات من قِبَل الحكومة الجديدة وتخفيض كلفتها»، منبّهاً إلى أن «هذه العقود شديدة الارتباط بتغير الظروف السياسية، ما يعني أن هناك هشاشة حقيقية وخسائر مالية مؤكدة بالنسبة إلى بكين». ويشير أيضاً إلى أنه «في سريلانكا، لم تفض عملية بناء المطار والمرفأ المرتفعة الأكلاف إلى تعزيز النشاط الاقتصادي. وأمام عدم قدرة الحكومة على تسديد الدين، تم الاتفاق على تلزيم المرفقين لشركة صينية لمدة 99 عاماً. وفي حالة إندونيسيا، وافقت الصين على بناء قطار سريع يربط بين جاكرتا وباندونغ من دون طلب ضمانات سيادية من الدولة الإندونيسية، وهو ما لا تقبل به عادة»، مضيفاً أن «هناك أصواتاً في الصين اليوم تعارض هذا المشروع الذي بات بمثابة البوصلة التي تقود السياسة الخارجية للصين بسبب تراكم الإخفاقات، وأصبحت مسألة أكلافه المالية مطروحة: هل باستطاعة الصين الاستمرار في الإنفاق على مشاريع لا تأتي بالمردود المنتظر؟»

دوام الاستقطاب الاقتصادي ـــ الاجتماعي
سياسة «رابح ـــ رابح» المستندة إلى الاستثمار في الخارج ودعم النمو التي انتهجتها الصين لتدعيم علاقاتها مع الدول المجاورة وصلت إلى نتائج متفاوتة، ولم تفلح في التخفيف جدياً من حدة التناقضات في حالات عديدة. في حالة هونغ كونغ، حيث تغيرت التركيبة السكانية في السنوات الأخيرة مع وصول موجات كبرى من الصينيين القادمين من داخل البلاد، فإن الاستقطاب الاقتصادي ــــ الاجتماعي بينهم وبين السكان يتزايد. جان فيليب بيجا مقتنع بأن «الاستقطاب الاجتماعي حقيقة منذ 1997. قد يتطلب الأمر اليوم 150 سنة حتى يستطيع أحد سكان هونغ كونغ الذين يحصلون على دخل متوسط شراء منزل مساحته 509 أمتار مربعة. تتعاظم الفوارق الاجتماعية الملحة الآتية من الصين». برونو هليندورف يسهب، بدوره، في الاتجاه نفسه، لأن التمايز بنظره يتطور بين سكان هونغ كونغ وبقية الصينيين: «لقد أظهر استطلاع للرأي مع 1000 شخص من هونغ كونغ أن 11% منهم فقط يعتبرون أنفسهم من الصين، بينما يجزمون في غالبهم بأنهم أولاً من هونغ كونغ مع اعترافهم بانتمائهم إلى الصين سياسياً». في هذا السياق، ينبّه جان فيليب بيجا إلى أن قسماً كبيراً من رجال الأعمال الموالين للصين عارضوا مشروع تسليم المطلوبين إليها، لأنهم «لا يرغبون في أن يحاكموا يوماً أمام محاكم صينية»، فيما تعتقد ليلى شوكرون أن «من السهل تعبئة السكان على أسس قومية مؤيدة للصين، وعبر الضغط المستمر من أجل تحسين مستويات الإنتاجية والعمل بكدّ بدلاً من التظاهر. وهونغ كونغ تبقى أولاً مجتمعاً رأسمالياً قاسياً».