لندن | غالباً ما كانت بريطانيا تبدي تخوّفاً من التواصل البري مع أوروبا، على خلفية هاجس «حماية الجزيرة من احتلال خارجي». في أواخر القرن التاسع عشر، رفضت لندن الاتصال بأوروبا، بعدما بيّنت دراسات إمكانية بناء نفق بحري يربط الجزيرة بالقارة، وذلك على خلفية مخاوف من أن يشكّل المشروع خطراً على البنية الاجتماعية البريطانية، ما يعني بالنتيجة الاندماج مع الأوروبيين. استمر البريطانيون في رفض بناء النفق حتى عام 1973، وتحديداً إلى ما بعد الانضمام إلى المجموعة الأوروبية. حينها، وقّعت حكومة إدوارد هيث الاتفاقية للبدء ببناء النفق الذي بوشر بتنفيذه عام 1988، ثم افتُتح عام 1994.

لكن انضمام بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية لم يكن سهلاً. في خمسينيات القرن الماضي، دُعيت بريطانيا إلى الانضمام، لكنها رفضت الدعوة خوفاً من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية. إلا أنها سرعان ما عادت وتقدمت بالترشح للعضوية، مدفوعة بأزمة اقتصادية في مطلع الستينيات، كانت بوادرها قد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية. هذه المرة، رُفض الأوروبيون طلبها، وخصوصاً فرنسا، متمثّلة برئيسها شارل ديغول. بعد خروج ديغول من الحكم في عام 1969، قُبل الترشح البريطاني، لتنضمّ بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية رسمياً في عام 1973، في عهد حكومة حزب «المحافظين»، برئاسة إدوارد هيث. بعد ذلك، بدأت مرحلة جديدة من الجفاء البريطاني تجاه المنظومة الأوروبية، وتحديداً عام 1975 عندما أبدى حزب «العمال» بزعامة هارولد ويلسون تحفّظه من الاتفاق، مطالباً بإجراء استفتاء عليه، لتأتي النتيجة ساحقة لمصلحة خصوم «العمال» بنسبة 67%. لكن الحزب لم يستسلم، فقد جدّد في عام 1983 دعوته إلى الخروج من الاتفاق، وخاض الانتخابات على هذا الأساس، ليُمنى بهزيمة مدوية كانت الأقسى منذ عام 1907.
مع ذلك، لم ينتهِ الالتباس في العلاقة بين بريطانيا والمنظومة الأوروبية. إذ انطلقت حملة جديدة للخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد انضمام دول من أوروبا الشرقية إليه. حينذاك، تأثرت الخزينة كثيراً نتيجة توافد أعداد ضخمة من مواطني هذه الدول إلى بريطانيا والإقامة والعمل فيها، وأيضاً الحصول على التقديمات الاجتماعية، ما دفع البريطانيين إلى التعبير عن رفضهم لهذا الواقع المستجد. وعلى هذه الخلفية، تأسّس حزب جديد، هو حزب «المملكة المتحدة المستقلة»، الذي كان هدفه إقناع البريطانيين بالخروج من التكتل. كذلك، تحرّك نحو مئة نائب من حزب «المحافظين» للضغط على رئيس الحكومة الأسبق، ديفيد كاميرون، لإجراء محادثات جديدة مع أوروبا، تهدف بالأساس إلى الحدّ من توافد الأوروبيين. إلا أن جهود كاميرون باءت بالفشل، ما دفعه إلى أن يَعِد الشعب بإجراء استفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل عام 2017. إيفاءً بوعده، دعا كاميرون إلى الاستفتاء في حزيران/ يونيو 2016، ولكنه عمل جاهداً مع قيادات حزبه على إقناع البريطانيين بالتصويت للبقاء في الاتحاد.

يواجه جونسون اليوم أكبر تحدٍّ لرئيس وزراء بريطاني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية


تلت الدعوةَ إلى الاستفتاء محطاتٌ مفصلية كثيرة، برز خلالها اثنان من قيادات حزب «المحافظين»، هما بوريس جونسون ومايكل غوف، اللذان قادا الحملة على سياسة كاميرون المؤيدة للبقاء في الاتحاد. وقد توليا قيادة هذه الحملة إلى جانب «حزب استقلال بريطانيا»، بزعامة نايجل فاراج. نجحت تلك الجهود في إقناع غالبية البريطانيين بأن الخروج من الاتحاد سيوفر عليهم نحو 350 مليون جنيه إسترليني في الأسبوع ــــ وهو ما تبيّن زيفه لاحقاً ــــ، ما سيرفد القطاع الصحي بموازنة جديدة ويحسّن موازنة التعليم. بناءً عليه، جاءت النتيجة صادمة، متمثّلة بتصويت 51.9% للخروج من الاتحاد، مقابل 48.1% صوّتوا للبقاء فيه. دفع هذا الواقع ديفيد كاميرون إلى الاستقالة، ليصار بعدها إلى اختيار تيريزا ماي لتخلفه في رئاسة الحزب والحكومة، ولتُطلق عبارتها الشهيرة في خطاب تسلّم المنصب قائلةً: «بريكست يعني بريكست». انطلقت ماي في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، ظلّت تتعثر إلى أن قررت الاستقالة، ليخلفها بوريس جونسون، الزعيم البريطاني الأكثر حماسةً لخروج بلاده من الاتحاد.
حين تبوأ جونسون رئاسة الوزراء، ترك 14 وزيراً الحكومة، إما طرداً أو باستقالة طوعية، ليُعيّن وزراء من أقصى اليمين مثل ساجد جاويد ودومينيك راب ومايكل غوف وآخرين. حاول جونسون الضغط على الأوروبيين، وخيّرهم بين العودة إلى المفاوضات أو الانسحاب من دون اتفاق في تاريخ أقصاه نهاية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، آخذاً بنصيحة حليفه ومستشاره للشؤون الاقتصادية والمالية، الملياردير مايكل سبنسر، الذي أعلن أن الخروج من التكتل سيترك آثاراً سلبية على أوروبا أكثر من بريطانيا. لكن جونسون يعلم جيداً أن الأكثرية في مجلس العموم لا تؤيد الخروج من الاتحاد من دون اتفاق، ولا سيما أن هناك قيادات فاعلة من حزب «المحافظين»، يتقدمها فيليب هاموند، تفاوض الأحزاب المعارضة من أجل إصدار قانون في البرلمان يُمنع بموجبه الخروج من دون اتفاق. انطلاقاً من ذلك، بادر رئيس الحكومة إلى حملة علاقات عامة تجاه الأحزاب المعارضة، فذهب إلى اسكتلندا محاولاً إقناع رئيسة وزراء المقاطعة، نيقولا ستيرجون، بمشروعه، فكان موقفها وموقف الاسكوتلنديين سلبياً منه، حيث خرجوا في تجمّعات مطالبين بالاستقلال عن المملكة المتحدة نفسها. أيضاً، اجتمع جونسون مع رئيس حكومة ويلز، الذي طالبه هو وأعضاء حكومته بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، انطلاقاً من واقع أن أساس الدورة الاقتصادية في هذا الإقليم يعتمد على المحاصيل الزراعية وتربية المواشي، وهو قطاع يحظى بمساعدات سخية من الاتحاد. بعد ذلك، قام جونسون بزيارة لإيرلندا الشمالية، سبقتها محادثات مع رئيس وزراء إيرلندا، التي تشكّل العائق الأكبر أمام إجراء مفاوضات جديدة تقوم على إلغاء «backstop» أي الحدود المقفلة بين الشمال والجنوب. وبالتأكيد، لم يحصل جونسون على أي تجاوب منه، مع العلم أن مشكلة إيرلندا الشمالية تتصل بكون الأكثرية كاثوليكية، وهي ترفض الخروج من الاتفاق، بعكس أقلية البروتستانت التي تتصرّف على أساس الموالاة المطلقة لحكومة لندن. لم تكن جولة جونسون تلك ناجحة، وما زاد الطين بلّة هزيمة حزبه في انتخابات فرعية أدت إلى حصر غالبيته البرلمانية بصوت واحد فقط، علماً أن غالبيته تعتمد على «الحزب الإيرلندي الشمالي الديموقراطي» الذي يرفض أي خروج من الاتحاد من دون اتفاق.
لا تزال جمهورية إيرلندا العائق الرئيس أمام أي اتفاق مع أوروبا، إذ إن أي قرار للاتحاد الأوروبي يجب أن يحظى بإجماع الدول الـ27. ومن الصعوبة بمكان أن توافق إيرلندا على اتفاق لا يضمن الحدود المفتوحة. من هنا، تبرز حراجة موقف جونسون الذي لا يستطيع الخروج من دون اتفاق، لعلمه بأنه سيسقط في مجلس العموم، فضلاً عن القانون المتوقع إصداره بمنع الخروج من دون اتفاق، والموقف المتشدد للاتحاد الأوروبي الرافض لإعادة التفاوض على اتفاق الخروج الذي توصل إليه مع تيريزا ماي. هكذا، يواجه جونسون، اليوم، أكبر تحدٍّ لرئيس وزراء بريطاني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، في وقت يتهدّد فيه بلادَه انقسامٌ حادّ وغير مسبوق.
انقسامٌ سيولّده حتماً الخروج من الاتحاد من دون اتفاق، حتى بين أعضاء الحزب الواحد، وهو ما لم تشهده البلاد في تاريخها الحديث. كذلك، ستنتج من الخروج غير المنظّم تحولات هائلة في البنى السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وقد وصل الأمر إلى حدّ تحذير البعض من أن هذا الزلزال سيقود إلى تفكك المملكة المتحدة، حيث ترغب اسكتلندا في الاستقلال، ويميل الإيرلنديون إلى التوحّد شمالاً وجنوباً في دولة واحدة، فيما تُظهر استطلاعات الرأي أن 40٪ من مواطني ويلز يرغبون أيضاً في الاستقلال. وإذا ما نجحت اسكتلندا في انتزاع حق إجراء استفتاء على استقلالها، فإن النتيجة معروفة سلفاً، وهذا سيدفع إلى استقلال ويلز وإلى توحيد شطرَي إيرلندا. إنه السيناريو القاتم الذي يطرح سؤالاً مُقلقاً عند البريطانيين: هل سيكون بوريس جونسون آخر رئيس حكومة لبريطانيا العظمى؟