شكّل صدور كتاب فريديريك بييروتشي، الصناعي وأحد مديري شركة «ألستوم»، الذي سُجن لمدة 25 شهراً في الولايات المتحدة، مناسبة لتجديد النقاش حول الحرب الاقتصادية الجديدة التي تشنّها واشنطن على حلفائها الأوروبيين. شركات أوروبية عديدة وجدت نفسها في قفص اتهام «العدالة» الأميركية: «توتال»، «ألكاتيل»، «ب.ن.ب.» (BNP)، «باريبا»، «سوسييتي جنرال»، «تكنيب». دفعت الشركات حوالى 14 مليار يورو بتهمة مخالفة القوانين الأميركية. الفضيحة الأبرز، والتي حظيت بالتغطية الإعلامية الأوسع، هي تلك المتعلقة بشراء «ألستوم» من قِبَل الشركة الأميركية العملاقة «جنرال إلكتريك» عام 2014.

بعد خروجه من السجن في أيلول/ سبتمبر 2018، قدم بييروتشي شهادة صادمة عن تقنيات زعزعة الاستقرار المستخدَمة ضد المنافسين، والتجسس الاقتصادي من خلال «وكالة الأمن القومي» الأميركية، وتواطؤ وزارة العدل الأميركية مع الشركات لتسهيل سطوها على قطاعات بعينها من الأسواق، وإزاحة منافسيها، وإعادة شراء خبرات تراكمت ونمت عبر عقود عديدة. المدير التجاري السابق لعدة فروع لـ«ألستوم»، فخر الصناعة الفرنسية، أُوقف من قِبَل وزارة العدل الأميركية عام 2012، بتهمة التورط في قضية فساد خلال عامي 2003 و2004، وفقاً لقانون الممارسات الأجنبية الفاسدة الصادر سنة 1977. وبحسب هذه التهمة، فإنه قد علم بتوظيف «ألستوم» لمستشارين قاموا بدفع رشى للفوز بعقد بناء محطة كهرباء في إندونيسيا في الفترة التي كانت الشركة فيها تتنافس مع أخرى أميركية على هذا المشروع. منذ عام 2010، تشرف وزارة العدل الأميركية على تحقيق حول «ألستوم». وبعد اعتقال بييروتشي، بات مديرها العام، باتريك درون، مُهدَّداً بعقوبة سجن لمدة قد تصل إلى 15 سنة. ولكن سرعان ما اتضح في الواقع أن سجن مؤلف «الفخ الأميركي: معركتي لفضح حرب أميركا الاقتصادية السرية على بقية العالم»، واعتراف السيد درون بالتهم الموجَّهة إليه، استهدفا تسهيل شراء هذه الشركة الاستراتيجية من قِبَل منافستها الأميركية «جنرال إلكتريك».
«ألستوم إنيرجي» كانت قد لعبت دوراً أساسياً في تطوير الطاقة البديلة، وخبراتها في استخدام الطاقة المائية والهوائية كمصدر متجدد للكهرباء معترَف بها عالمياً. هي أيضاً من جهّز المفاعلات النووية الفرنسية بالتوربينات، وحاملة الطائرات «شارل ديغول» بمحرك نفاث. موافقة المدير العام لـ«ألستوم» على بيع القسم المتخصص منها بالطاقة، إنقاذاً لنفسه من «العدالة» الأميركية، أسهمت في البدء بإفقاد فرنسا استقلالها في ميدان الطاقة، من دون تدخل من قِبَل الدولة الفرنسية، التي ليست شريكاً في «ألستوم»»، ولكنها كانت قادرة على التدخل لمنع مثل هذا القرار. وزير الاقتصاد في تلك الفترة، آرنو دو مونتوبورغ، أصدر مرسوماً خاصاً بالاستثمارات الأجنبية التي تحتاج إلى إذن مسبق، قبل استقالته بفترة وجيزة، يتيح نظرياً للدولة الفرنسية قدرة الاعتراض على سيطرة رساميل أجنبية على عدد كبير من الشركات العاملة في مجالات استراتيجية، كالدفاع والطاقة والمياه والصحة. لكن إيمانويل ماكرون، الذي خَلَفه في منصب وزير الاقتصاد، لم يكتف بعدم الاعتراض على عملية البيع، بل ساند «جنرال إلكتريك» من دون شروط، بذريعة أن الدولة ليس لديها أي مبرر مشروع للتدخل، لأن «اقتصاد فرنسا ليس مُوجَّهاً كاقتصاد فنزويلا» بحسب تعبيره. عملية البيع تمت بفضل ماكرون، على قاعدة اتفاق حدٍّ أدنى يسمح باحتفاظ الفرنسيين بسلطة القرار في الفروع الثلاثة لـ«ألستوم» (والتي باتت مشتركة)، والعاملة في قطاعات استراتيجية، على النحو التالي: 51/49 في قطاعَي الطاقة والكهرباء، و80/20 في القطاع النووي، مع إمكانية قيام «ألستوم» ببيع أسهمها لـ«جنرال إلكتريك» بدءاً من عام 2018. بكلام آخر، تستطيع «ألستوم» تسليم قطاعها الخاص بالطاقة للولايات المتحدة، وهو ما حصل العام الماضي.
ومع بيع «ألستوم» بمبلغ 12.35 مليار دولار، فقدت فرنسا أداة مهمة للحفاط على أمنها الوطني في المجال النووي، مع حرمانها من مولّد التيار المتردّد التوربيني الذي صنعته وأضحى مملوكاً من «جنرال إلكتريك»، وغدت تابعة تماماً للأميركيين الذين يستطيعون رفض تزويدها بقطع الغيار في حال وقوع خلاف سياسي. وبعد بيع «ألستوم»، هدّدت «جنرال إلكتريك» بعدم توفير قطع الغيار لشركة «أو.دي.إف.» (EDF) بسبب خلاف تجاري. ولكن سابقة 2003 هي التي تظهر بشكل مهول حجم المخاطر على المصالح الفرنسية. فبعد معارضة باريس للغزو الأميركي للعراق، قررت واشنطن حظر بيع جميع قطع الغيار المصنَّعة في الولايات المتحدة للجيش الفرنسي. وعلى الرغم من أن وقع هذا القرار بقي محدوداً لأن 97% من أسلحة الجيش فرنسية أو أوروبية، إلا أن مجنقات حاملة الطائرات «شارل ديغول»، التي تستخدم لإطلاق الطائرات منها، تعطّلت بسبب عدم توفير الأميركيين لقطع غيار لها. تتكاثر اليوم في فرنسا أصوات، على غرار الوزير السابق دو مونتوبورغ، تطالب بإلغاء عقد بيع «ألستوم»، لأن موافقة مديرها العام انتُزعت بالقوة والضغط. غياب الإرادة السياسية لدى الحكومة الفرنسية يعني أن القضاء لن يتدخل لإلغاء العملية. لقد وضعت فرنسا نفسها في حالة عبودية طوعية حيال أميركا، وقضية «ألستوم» ليست المثال الوحيد. فالاندماج بين شركة «تكنيب» و«إف. إم. سي. تكنولوجي»، والذي تطرق إليه الاقتصادي لوران إيزارد في كتابه: «تقطيع فرنسا وبيعها»، انتهى بعد سنتين بابتلاع الأولى من الثانية. في هذه الحالة أيضاً، أيّد إيمانويل ماكرون بحماسة اتفاق الاندماج المذكور.