الإعلان عن الاتفاق الأميركي ــــ التركي على إقامة منطقة آمنة شمال شرق سوريا، وما سيترتب عليه من تعاون بين الطرفين، لم يضعف حتى الآن اقتناعاً سائداً بأنهما لن ينجحا في رأب الصدع الواسع بينهما. «صوت أميركا»، مثلاً، رأت، في تعليق بعنوان واضح: «هل يمكن الوثوق بتركيا كشريك في الناتو؟» بعد الاتفاق، أن «علاقات أردوغان التي تزداد حرارة مع روسيا، وشراءه منها نظام دفاع جوي متطوراً، واعتماده في سوريا استراتيجيات تتناقض مع تلك التي يتبعها شركاؤه في الناتو، ودعمه للإسلاميين، توهن جميعها صلات تركيا بالغرب إلى حدّ الوصول إلى القطيعة. وقد عبّر مسؤولون في البنتاغون عن استيائهم من مؤشرات تقاربه مع إيران… ليس هناك آلية متعارف عليها لطرد دولة عضو في حلف الناتو. رغم ذلك، فإن التساؤلات تتكاثر بين صناع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية حول مستقبل تركيا فيه، وعما إذا كان الوقت قد حان لكي تغادره أو ليتم تعليق عضويتها فيه».

شكلت صفقة منظومة «S 400» بين تركيا وروسيا نقلة نوعية في مسار تطور العلاقات، لأنها أتت تدشيناً لتعاون عسكري يضاف إلى ذلك السياسي والاقتصادي الذي نما بشكل ملحوظ في السنوات الماضية. غالبية التحليلات الغربية ردّت الاستدارة التركية نحو روسيا والصين، أو على الأقل الرغبة في تنويع الشراكات الدولية بعد عقود من التحالف الحصري مع الولايات المتحدة، إلى خلفية أردوغان العقائدية، وأجندته السياسية الفعلية الناتجة عنها في الداخل والخارج، وفي مقدمتها تحويل النظام السياسي في تركيا من «ديمقراطي» إلى «سلطوي». يصبح سبب التباعد بين تركيا والغرب، على ضوء مثل هذه التحليلات، الخلاف على «القيم»، لا على المصالح الوطنية وعلى سياسات قد تناسب الغرب غير أنها تهدد استقرار تركيا ووحدتها. للانزياح الاستراتيجي التركي، الذي يتمثل إلى الآن في الخروج من الشراكة الحصرية والاتجاه إلى تعدد الشراكات، دوافع عميقة، بنيوية وظرفية، متصلة بـ«خيبة» كبرى من الغرب وتخوف جدي من سياساته حيال المنطقة، وبإدراك لتحولات العالم وصعود روسيا والصين، وانفتاح على «عروضهم السخية».

نهاية «الحلم الغربي»
لم يخيّب الغرب آمال قطاع وازن من النخب التركية وحدها، بعدم إتاحته الفرصة أمام تركيا للانضمام إليه عبر الالتحاق بأوروبا، أو في الحدّ الأدنى بعدم التعامل معها بقدر أكبر من الندية. هو خيّب أيضاً آمال قطاعات لا تقلّ اتساعاً في روسيا والصين، وبدرجة أقل في إيران، نتيجة رفضه الارتقاء بعلاقاته مع هذه البلدان إلى مستوى الندية. وإذا كان «الحلم الأوروبي» قد دام ثلاثة قرون في روسيا، منذ وصول القيصر بطرس الأكبر إلى السلطة حتى مرحلة متقدمة من عهد الرئيس فلاديمير بوتين، فإن هذا الحلم في تركيا بدأ مع مصطفى كمال أتاتورك وانتهى مع رجب طيب أردوغان. لم تسمح النجاحات الاقتصادية ومعدلات النمو المرتفعة التي تحققت في تركيا في ظلّ حكم «العدالة والتنمية»، ولا البراغماتية الشديدة التي ميزت سياساته الداخلية والخارجية حتى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي دفعت بول وولفوفيتز إلى اعتبار تركيا نموذجاً للعالم الإسلامي، بفتح أبواب «النادي الأوروبي» أمامها. لا يمكن الفصل بين الأطروحات التي راجت في أنقرة عن «العمق الاستراتيجي»، عنوان كتاب أحمد داوود أوغلو الذي صدر عام 2010، وعن تركيا باعتبارها قلب أوراسيا وبدايات الاستدارة نحو الشرق، وبين الشعور العميق بالخيبة من أوروبا.

شكلت صفقة منظومة «S 400» بين تركيا وروسيا نقلة نوعية في مسار تطور العلاقات


لكن أول تحول خطر تم عام 2013، عندما باشرت الولايات المتحدة تسليح «قوات الدفاع الشعبي» الكردية، المُشكَّلة أساساً من مقاتلين من «حزب العمال الكردستاني»، لقتال «داعش». تطوَّر هذا الدعم الأميركي كمياً ونوعياً، وتحولت «قوات سوريا الديمقراطية»، المسيطرة على منطقة شمالي شرق الفرات في سوريا، إلى الحليف الأكثر موثوقية بالنسبة إلى القوات الأميركية. اعتبر القسم الأعظم من النخب السياسية والعسكرية التركية، لا أردوغان وحزب «العدالة والتنمية» وحدهما، هذه الشراكة بمثابة تهديد مباشر للوحدة الترابية للبلاد. فإنشاء قاعدة خلفية لـ«حزب العمال الكردستاني» في الشمال السوري اعتُبر مقدمة لتأجيج الصراع المنخفض التوتر بينه وبين الدولة التركية داخل أراضيها، مع ما سيترتب عليه من انعكاسات على استقرارها السياسي والاقتصادي. شجّعت فكرة وجود تهديد للمصالح الحيوية للدولة التركية على تقارب غير مألوف بين التيار القومي العلماني في الدولة، المعادي تقليدياً للإسلاميين، والذي حاول بعض رموزه المشاركة في محاولة انقلابية لإطاحة أردوغان في إطار ما عرف بـ«قضية أرغينيكون» في العقد الأول من القرن الحالي، وحزبَي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية». وكان لقوميّي الدولة، الذين تطلَق عليهم تسمية «التيار الأوراسي»، دور مهمّ في الدفع إلى التقارب مع روسيا والصين لمواجهة المخططات الأميركية والغربية.
ثاني تحول خطر وقع عام 2016 عندما حاولت مجموعة من الضباط، ثبت أن أبرزهم من أصحاب «الميول الأطلسية»، الانقلاب على حكومة «العدالة والتنمية»، وجرى كشف المحاولة وإفشالها، بحسب العديد من المصادر المؤيدة والمعارضة لأردوغان، بفضل المعلومات التي أعطتها المخابرات العسكرية الروسية لنظرائها الأتراك. رموز التيار الأوراسي داخل الجيش لعبوا دوراً حاسماً أيضاً في إجهاض هذه المحاولة، ولكن أردوغان، في خطوة تحتاج إلى المزيد من الإيضاحات، أقدم على إزاحة قسم كبير منهم خلال اجتماعات المجلس العسكري الأعلى تحت إشرافه في الأول من آب، بحسب الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية والضابط السابق متين غوركان. هل أزيح هؤلاء لاعتراضهم على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في شمال سوريا؟ هذا ما يظنه غوركان. ولكن، وبمعزل عن هذه المستجدات، فإن المؤكد هو أن المساهمة الروسية في إفشال المحاولة الانقلابية عززت الصلة الشخصية والسياسية بين أردوغان وفلاديمير بوتين.

الانجذاب نحو الشرق
للتطرق إلى التحولات الكبرى في موازين القوى الدولية الناجمة عن صعود الصين أساساً، وغيرها من القوى الآسيوية، اختار جدعون راشمان، كبير المعلقين حول السياسة الخارجية في «فايننشال تايمز» عنواناً لكتابه هو «الشرقنة: الحرب والسلم في العصر الآسيوي» (Easternisation: War and Peace in the Asian Century)، للدلالة على مسار انتقال مركز العالم الاقتصادي والتكنولوجي، وبالضرورة السياسي عاجلاً أو آجلاً، من الغرب إلى الشرق. أما المؤرخ بيير غروسير، الأستاذ في معهد العلوم السياسية والمدير السابق للمعهد الدبلوماسي التابع للخارجية الفرنسية، فقد عنون مؤلَّفه بـ«تاريخ العالم يُصنع في آسيا». وإذا كان الغربيون يدركون مفاعيل التغيرات الجذرية على طبيعة النظام العالمي التي سيفضي إليها هذا المسار، فان دولة كتركيا، تَبدّد «رهانها الغربي»، تعي ذلك، وستسعى للإفادة منه قدر المستطاع.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن الطرف الروسي كان المبادر إلى محاولة اجتذاب تركيا بعيداً عن «الناتو»، عبر تقديم جملة عروض ومغريات لها وجدت طريقها إلى التنفيذ، من أبرزها مشروع السيل التركي لبيع الغاز الروسي لأوروبا عبر تركيا، ومشروع بناء محطة نووية في منطقة أق قويو التابعة لولاية مرسين. وقد شارك الرئيس الروسي، خلال زيارتين متتاليتين إلى تركيا، في احتفالات انتهاء تأسيس البنية البحرية لمشروع السيل التركي، وتلك المخصصة لافتتاح المحطة. وقد كشف تصريح لوزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، على هامش الاجتماع السادس عشر للجنة الاقتصادية المشتركة بين روسيا وتركيا، أن «العلاقات بينهما في تطور دائم، وقد وصل حجم التبادل التجاري إلى 25.5 مليار دولار خلال عام 2018، محققاً زيادة بنسبة 16% مقارنة بالعام الذي قبله. أما بالنسبة إلى خط غاز السيل التركي، أحد أهم المشاريع القائمة بين البلدين، فإن أعمال الإنشاء فيه شارفت على الانتهاء، ليتم خلال العام المقبل البدء بضخ الغاز عبره مباشرة إلى تركيا». لكن الوزير الروسي أشار في تصريحه الى نقطة أخرى عالية الأهمية، وهي استعداد بلاده للتعاون مع تركيا في التنقيب عن مصادر الطاقة التقليدية في المياه الإقليمية شرق المتوسط، على الرغم من معارضة قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومصر وإسرائيل لأعمال التنقيب التركية. الاستقطاب الذي تثيره عمليات التنقيب مؤشر إضافي على الانزياحات الاستراتيجية الواقعة في شرق المتوسط. الروابط التاريخية، والثقافية ــــ الدينية بين اليونان وروسيا، لم تَحُل دون انزياح الأولى إلى صف الولايات المتحدة، ما أدى إلى المزيد من التقارب بين تركيا والثانية. ديميتار بيشيف، الباحث في الشؤون الاستراتيجية، رأى في مقال في «فورين بوليسي»، أن الشراكة العسكرية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة واليونان نمت بالتوازي مع التدهور المستمر في العلاقات التركية ــــ الأميركية، وأن الولايات المتحدة ترمي بوزنها لدعم التحالف الناشئ في المتوسط بين اليونان وقبرص وإسرائيل في مواجهة تركيا.
الشراكة الأخرى التي تنمو باطراد هي تلك التي تجمع بين تركيا والصين. لتوصيف هذه الشراكة، قال الرئيس التركي، في مقال خصّ به صحيفة «غلوبال تايمز» الرسمية الصينية في الأول من تموز الماضي، قبل زيارته إلى بكين في اليوم التالي، بعنوان «تركيا والصين لديهما رؤية مشتركة للمستقبل»، إن «التعاون الممتد عبر القرون بين أمّتَينا يتعزز بقوة بفضل مبادرة (حزام واحد طريق واحد) تحت قيادة شي جين بينغ، رئيس الصين وصديقي العزيز. وفي الحقيقة، كنا من أولى الدول التي تبنّت هذه المبادرة منذ عام 2013. ونحن سعداء بأنها باتت أحد أعظم مشاريع التنمية في القرن الواحد والعشرين، وتضمّ أكثر من 100 بلد ومنظمة دولية انسجاماً مع رؤية الرئيس شي... تركيا والصين هما من بين البلدان التي تسعى إلى جسر الهوة التي تفصل بينها وبين مستويات تطور البلدان الغربية في القرن الواحد والعشرين. بكلام آخر، فإن الحلم الصيني هو رؤية الصين تحتلّ المكانة التي تستحق على النطاق الدولي، تماماً كما أن الحلم التركي هو رؤية أمّتنا بدورها تحتل المكانة التي تستحق». وبلا ريب، فإن لتطور هذه الشراكة في ظلّ تصاعد المواجهة بين الصين والولايات المتحدة تبعات على العلاقات التركية ــــ الأميركية. لكن أردوغان، الذي لم يتراجع عن شراء منظومة «S 400»، على رغم التهديدات الأميركية، لن يثنيه تهويل واشنطن بعظائم الأمور إن استمر في نهجه الحالي، نتيجة لإدراكه التغيرات التي طرأت على موازين القوى الدولية بسبب تراجع هيمنة الولايات المتحدة وبروز أقطاب آخرين، وأن بناء شراكات دولية متعددة أصبح متاحاً أمام تركيا وغيرها من بلدان الجنوب.