لا تقتصر مشكلة إسرائيل الأمنية والاستراتيجية على مسار واحد للتطورات في الملف الإيراني. فكل سيناريو، ما عدا خضوع إيران أو ضربها من قِبَل الولايات المتحدة، ينطوي على مخاطر فورية واستراتيجية على الأمن القومي الإسرائيلي. في ذروة الترويج لإمكانية عقد لقاء بين الرئيسين الأميركي والإيراني، ارتفع منسوب الحديث عن مخاطر مثل هذا اللقاء إن لم يُلبّ المطالب الإسرائيلية في المجالات الإقليمية والصاروخية والنووية. وفي هذا الإطار، تندرج دعوة المعلق العسكري في «القناة 13» في التلفزيون الإسرائيلي، ألون بن ديفيد، إسرائيل، إلى ضرورة التجهّز لإمكانية تراجع الرئيس الأميركي أمام إيران عن المبادئ التي تم التوافق عليها مع تل أبيب. وعبّر بن ديفيد عن مخاوفه من احتمال قبول دونالد ترامب باتفاق «رخوٍ» أكثر، يقوم بعدها بالتسويق له على أنه «نجاح كبير». الأهم أن هذه التقديرات ليست حالة فردية في الكيان الإسرائيلي، بل سبق أن تناولها أيضاً العديد من الخبراء المقربين من دوائر القرار السياسي والأمني في تل أبيب، وهو ما يعكس وجود المخاوف نفسها لدى الجهات المختصة.

لم تستمرّ طويلاً الانطباعات التي راودت الكثيرين في تل أبيب، في ذروة المساعي الفرنسية لعقد لقاء قمة بين ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني. فقد بدّدها المسؤولون الإيرانيون عندما ربطوا أي لقاء بتراجع الولايات المتحدة عن العقوبات، وعودتها إلى الاتفاق النووي. في أعقاب ذلك، من الطبيعي أن تنكبّ الجهات المختصة في إسرائيل على دراسة أبعاد هذا الموقف الحاسم ورسائله، وما ينطوي عليه من مخاطر وإيجابيات مفترضة. لكن خصوصية الموقف الرسمي الإيراني، الذي أظهر مرة جديدة تماسكه وثباته، أنه يؤشر مجدداً إلى صمود إيران الاقتصادي والسياسي، وتفوقها الردعي حتى الآن. أول ما سيحضر في تل أبيب من بعد الموقف الإيراني الأخير أن العقوبات الأميركية لم تحقق الأهداف المؤمّلة منها، وأن الطرفين الأميركي والإسرائيلي أخطآ تقييم الأوضاع في الجمهورية الإسلامية عندما خلطا بين النتائج القاسية التي تسبّبت بها العقوبات، وبين مفاعيلها على صانع القرار، وعلى موقف الشعب الإيراني من النظام الإسلامي في بلاده.

ليس سراً أن الخيار العسكري الإسرائيلي أمام إيران محدود


لوهلة، قد يتشكل انطباع بأن فشل لقاء أو عدم انعقاده هو، بحدّ ذاته، موضع ترحيب في تل أبيب. لكن الواقع أن الموقف الإسرائيلي من أي صيغة لا ينطلق من قيمة ذاتية لها، بقدر ما تكون مدخلاً لتلبية مطالب الكيان. بعد فشل الرهان على عقد لقاء قمة بين الرئيسين الأميركي والإيراني، يمكن التقدير بأن مروحة من السيناريوات حضرت وسوف تحضر في إسرائيل، لكن أشدّها خطورة على أمنها القومي تلك التي يستمرّ فيها صمود إيران السياسي والاقتصادي، ويتواصل معها التقدم في برنامجها النووي. والذروة في هذا المسار الخطر هي أن يستمرّ الانكفاء الأميركي عن المبادرة العملانية التي تأملها تل أبيب وتدفع باتجاهها. ولعلّ أهمية هذا التقدير تكمن في حضوره بقوة في أدبيات المعلّقين والخبراء، ومن ضمنهم ألون بن ديفيد، الذي رأى أنه «في حال بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم بمستوى أعلى بكثير، مع أجهزة طرد مركزي متطورة أكثر، وحركت من جديد نشاطاتها في مفاعل آراك النووي...ستجد إسرائيل نفسها وحيدة أمامها». تنطلق هذه المخاوف من تقدير يحتلّ مساحة واسعة في إسرائيل، ومفاده أن «من المعروف أن ترامب يرتدع عن استخدام القوة العسكرية. ربما سيغرقنا بالسلاح والعتاد، إلا أنه لا يمكن التعويل عليه بأن يكون شريكاً في عملية عسكرية لردع الإيرانيين».
لكن ماذا عن الخيار العسكري الإسرائيلي؟ يؤكد بن ديفيد أنه «ليس سراً أن الخيار العسكري الإسرائيلي أمام إيران محدود. سلاح الجو يعرف كيفية القضاء على المفاعيل النووية الإيرانية، لكنه لا يملك القدرة على أخذ المعرفة التي طوّرها (الإيرانيون) أو (منع) الدافعية للحصول على قنبلة نووية... وحتى ثمن تحقيق الخيار العسكري سيكون كبيراً: بغض النظر عن حزب الله، الذي هو وحده تهديد عسكري جدي، تملك إيران اليوم ترسانة صواريخ متطورة، منتشرة في العراق وفي سوريا». تعكس الصورة التي قدمها أحد أهم المعلقين العسكريين في الكيان الإسرائيلي حجم التحدي الذي تواجهه إسرائيل، وتُقدّم تصوراً واضحاً عن محدودية خياراتها وحجم الإرباك الذي يسيطر على مؤسسة القرار السياسي والأمني فيها. خلاصة المشهد أنه عندما تضيق الخيارات وترتفع المخاطر، تزيد معها احتمالات الوقوع في التقديرات الخاطئة. لكن يبدو أن حجم المخاطر التي تحضر على طاولة صناع القرار يدفع الأخيرين حتى الآن إلى أن لا تكون أخطاؤهم دراماتيكية، على أمل يسود في تل أبيب بألا تتكبّد مقابلها أثماناً باهظة.