الأجواء «البنّاءة» التي سادت خلال اجتماعات قمّة «مجموعة الدول السبع» الأخيرة في بياريتس، والتوافقات التي توصّلت إليها هذه الأخيرة، كان لها أثر إيجابي على صورة إيمانويل ماكرون. الرئيس الفرنسي الذي واجه تدنّياً حادّاً في معدلات شعبيته بسبب نهجه في التعاطي مع التحديات الاجتماعية والسياسية الداخلية، وفي مقدّمها ظاهرة «السترات الصفر»، نجح في توظيف القضايا التي تحظى باهتمام الرأي العام الفرنسي والتي وضعها على جدول أعمال القمّة، كالأزمة البيئية وحرية التبادل وتعاظم الفوارق الاجتماعية، لتحسين موقعه على المسرح السياسي في بلاده.

صحيفة «لو موند» عكست هذا الواقع في العنوان الذي اختارته لافتتاحيتها: «ماكرون في قمة الدول السبع: الجرأة كرافعة دبلوماسية». تأمين شروط إعادة الانتخاب هي بين أبرز الحسابات التي تحكم غالباً حركة النخب السياسية ومواقفها ومبادراتها في الديموقراطيات العريقة، وماكرون لا يشذّ عن هذه القاعدة. لكن الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية كثيراً ما تفرض نفسها على هؤلاء، واحتمال انفجار مواجهة أميركية ــــ إيرانية في الخليج أحدها، وتضطرهم الى اعتماد الخيارات التي يرونها الأقل سوءاً. الرئيس الفرنسي يعتقد أن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وعدم رغبتهما في الحرب في الآن نفسه، تطوران يفتحان نافذة فرص أمام إمكانية التوسط لإيجاد مخرج سلمي للأزمة الحالية. غير أن حقيقة الدوافع الأميركية للتأزيم مع إيران، وهي دوافع إسرائيلية مرتبطة أساساً ببرنامجها الصاروخي وبدعمها لقوى المقاومة، وليس ببرنامجها النووي، ستجعل من التوصل إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران مهمة بالغة الصعوبة، إلا إذا قام أحد الطرفين بتقديم تنازلات فعلية يتراجع فيها عن موقفه المعلن من موضوع الصواريخ.
عند حديثه عن الشروط التي تضعها الولايات المتحدة للتفاهم مع إيران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره الفرنسي، إن «ما نسعى إليه هو: لا أسلحة نووية، لا صواريخ باليستية، ومدة زمنية أطول (إطالة أمد الرقابة على المنشآت النووية إلى ما بعد 2025)». أوساط كثيرة، إسرائيلية أو مؤيدة لإسرائيل (كالي لايك، المعلق في موقع «بلومبيرغ» حول قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، مثلاً) رأت في تصريح ترامب تخلّياً عن 9 شروط من أصل 12 كان وزير الخارجية، مايك بومبيو، قد حدّدها لمعاودة التفاوض مع إيران. باراك رافيد، المراسل المتخصص بالشؤون الدبلوماسية في «القناة الـ13» الإسرائيلية، أشار من جهته إلى أن الحكومة الإسرائيلية متخوفة من إمكانية حصول محادثات أميركية ــــ إيرانية جديدة حول الملف النووي بحسب ما أبلغه 3 وزراء ومسؤولان رئيسيان معنيّان بالملف الإيراني. ويضيف رافيد إن أحد المسؤولين أسرّ له بأنه «ليس لإسرائيل مصلحة في محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وقدرتها على التأثير على ترامب أو مواجهته حول هذا الموضوع محدودة للغاية».
المعلومات عن احتمالات تفاوض جديد أميركي ــــ إيراني سابقة لقمة بياريتس. غير أن هذه الأخيرة، وما تخلّلها من إعلان عن استعداد مبدئي للرئيسين الأميركي والإيراني للقاء، عزّزا التفاؤل بقرب البدء بهذا التفاوض. يعتقد البعض حتى أن تصعيد إسرائيل لاعتداءاتها في الأسابيع والأيام الأخيرة، وتوسيع دائرتها لتشمل العراق بعد سوريا، وعودتها لاستهداف مواقع في لبنان، في محاولة لتغيير قواعد اللعبة السائدة منذ عام 2006، ناجم عن قلقها من فرضية التفاوض الأميركي ــــ الإيراني وما قد يفضي إليه من تفاهمات أو حتى اتفاق جديد لا يناسب مصالحها. لكن النظر إلى ما قاله الرئيس الأميركي، وإلى الشروط التي ذكرها كقاعدة للعودة إلى عقد محادثات مع إيران، يظهران أن هذه المخاوف، إن كانت قائمة فعلاً، لا أساس لها حتى الآن. فموقف الإدارة الأميركية الراهنة الهستيري في عدائه لإيران لا علاقة له بتاتاً بالملف النووي. لا أحد في العالم، بما فيها الأجهزة الاستخبارية الأميركية، وباستثناء نتنياهو وحكومته وترامب وإدارته، يتهم طهران اليوم بالعمل على صناعة قنبلة نووية أو بعدم الالتزام بالاتفاق النووي قبل انسحاب الإدارة الأميركية منه، بل من الممكن الإضافة بالقول إن إدارة ترامب لو كانت مهجوسة حصراً باحتمال أن تقوم إيران بعد سنة 2025 بالسعي إلى إنتاج أسلحة نووية، لاقترحت أن يتم تمديد فترة الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية بعد التاريخ المشار إليه فقط لا غير.
لكن إصرار الإدارة على ربط أي اتفاق جديد حول الملف النووي بملف الصواريخ الباليستية الإيرانية هو الذي يكشف نياتها، ويسمح بفهم مختلف لطبيعة المواجهة الدائرة في الإقليم. هذه المواجهة تتمحور حول الصواريخ الباليستية التي تنتجها وتطورها إيران وتُتهم بنقلها إلى حلفائها في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ومساعدتهم على إنتاجها محلياً. التغيير التدريجي، ولكن المستمر، في موازين القوى بين إسرائيل ومحور المقاومة، الناتج من مراكمة وتطوير هذه القدرات الصاروخية، وما ستؤول إليه هذه الموازين في حال ديمومة هذا المسار، هو السبب الرئيس للتصعيد الأميركي والإسرائيلي ضد إيران. الولايات المتحدة لم تغير ولن تغير، في ظلّ إدارة كإدارة ترامب، من ثوابت استراتيجيتها في المنطقة، وبين أبرزها التفوق العسكري الإسرائيلي النوعي على دولها، المهدَّد راهناً من مسار مراكمة القدرات المذكور.
لا يتنافى الحديث عن إمكانية العودة إلى التفاوض مع تكثيف للضغوط بأشكالها المختلفة، بما فيها تلك العسكرية التي تستهدف مواقع وقواعد مزعومة للصواريخ أو للطائرات المسيرة. هذا هو معنى الغارات الإسرائيلية المتتالية التي تنوي إسرائيل عبرها التأكيد على مركزية هذا الملف بالنسبة إليها. هذه المعطيات لا تمنع البعض من الرهان على شخصية الرئيس الأميركي وفرضية أنه قد يذهب، أمام الفرص التجارية والاقتصادية الكبرى التي سيوفرها تفاهم مع إيران وتطبيع للعلاقات معها بعد تنازلات تقدمها في الملف النووي لا الباليستي، إلى الموافقة على اتفاق جديد يحمل اسمه، يكون أفضل من ذلك الذي وقّعه أوباما، لكنه لا يضع مصلحة إسرائيل في المقدمة. أصحاب هذا التحليل يتجاهلون حقيقة أن انتخاب ترامب تم من خلال التحالف مع ائتلاف من القوى يشكل التيار المسيحي الصهيوني أحد أهم مكوناته وزناً، وكذلك فئة أصحاب المليارات من اليهود أمثال شلدون أدلسون وبول سينغر، الذين كانوا من أبرز داعميه. من الصعب أن يتجاهل الرئيس الأميركي موقف هذه القوى وأطراف اللوبي الإسرائيلي عندما يتخذ قرارات تتعلق بالمنطقة وبإسرائيل، وخاصة أن أولوية الأولويات بالنسبة إليه هي إعادة انتخابه عام 2020.