ربّما مثّل إعلان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، استعداده للقاء أي شخص إذا ما صبّ هذا اللقاء في مصلحة البلاد، القنبلة التي كان وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، قد ضرب على صاعقها خلال زيارته المفاجئة لمدينة بياريتس الفرنسية، حيث انعقدت قمة «مجموعة السبع». تأكيد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كان على علم بسفر ظريف، وأن ثمة تنسيقاً مسبقاً معه في هذا المجال، يؤكد أن ظريف أجّل سفره إلى بكين، وزار مكان اجتماعات «السبع» ليسمع مباشرة من الرئيس الفرنسي ما هو العرض الأميركي لإيران.

وعلى الرغم من أنه، لحدّ الآن، لم تتضح ماهية هذه العروض، لكن يمكن القول إنها كانت مقنعة إلى درجة جعلت روحاني يخرج بهكذا تصريح خلال أقلّ من 24 ساعة من لقاء وزير خارجيته مع الرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الفرنسي. كانت إيران قد أكدت مراراً أن رفع العقوبات كاملاً هو مفتاح أي مفاوضات مستقبلية بينها وبين الولايات المتحدة. وبالطبع، هذا ما جاء على لسان روحاني مباشرة بعد يوم من كلمته السابقة. ومع أن الإيرانيين يرزحون تحت عقوبات لم يكن لها مثيل في التاريخ، بحسب قول ترامب، لكنهم يعرفون جيداً أن الأخير يحتاج إلى هذه المفاوضات أكثر مما يحتاج إليها الإيرانيون، بسبب الظروف الداخلية الأميركية، وتأثير هذا الخيار على وضع ترامب الانتخابي. يعلم الإيرانيون جيداً أنهم يستطيعون الحصول على ما لا يمكن تصوّره إذا ما أقدموا على هذه الخطوة في ظروف يكون الرئيس الأميركي محتاجاً فيها إلى المفاوضة. وحتى لو لم يحصلوا على الامتيازات المطلوبة خلال الفترة الحالية قبل الانتخابات الأميركية المقبلة وتم انتخاب ترامب مجدداً، فإنهم لن يواجهوا ترامب نفسه الذي يواجهونه حالياً. لكن، بالطبع، إذا ما تم انتخاب رئيس أميركي آخر، فما من ضمانات بأنه سيوقف خطوات ترامب، حتى لو كان «ديموقراطياً».
في ظلّ هذه الظروف، استطاع الإيرانيون، وبحنكة كبيرة، جعل الأميركيين والأوروبيين يخسرون جميع أوراقهم خلال عام مضى (بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي)، إذ إن الأميركيين قاموا بتنفيذ جميع تهديداتهم السياسية والاقتصادية والإعلامية، وحتى العسكرية، واستطاع الإيرانيون التصدّي لها جميعها. أما بالنسبة إلى الأوروبيين الذين حاولوا القيام بدور الشرطي الجيد، فإنهم قاموا بمجاراة الولايات المتحدة في سياساتها وعقوباتها على إيران، وهم خسروا أيضاً ورقة الضغط الوحيدة التي كانوا يستطيعون تهديد إيران بها، ألا وهي مشاركة الولايات المتحدة في عقوباتها. وكان الأميركيون والأوروبيون يراهنون على تحريك الشارع الداخلي الإيراني من خلال الضغوط الاقتصادية، لكن ما حصل هو العكس، إذ إن الشارع أظهر تماسكاً كبيراً على رغم العقوبات الاقتصادية التي واجهتها البلاد. وبعدما اطمأنت طهران إلى أن الجانب المقابل خسر جميع أوراقه، بدأت هي لعبها وجمع أوراقها منذ بضعة أشهر. لم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً كي يستوعب الأميركيون والأوروبيون اللعبة التي لعبها الإيرانيون، لكنهم لم يكونوا في وضع يسمح لهم باستيعابها، وهم يحاولون الآن الحيلولة دون أن تستطيع إيران جمع أوراق أكثر. وبالطبع، أحد أهم الأهداف من جمع الأوراق هذا يكون التحضير لمفاوضات. لكن هذه المرة إيران غير مستعدة لأن تدخل المفاوضات وتقبض الثمن بشكل مؤخر، بل هي تريد أن تحصل على دفوعات مقدمة للمفاوضات. وأقل ما يمكن أن تطلبه إيران هو أن يقوم الجانب المقابل برفع العقوبات وعودة بيع إيران لنفطها وحصولها على أمواله عبر فتح القنوات المصرفية. يحاول الأوروبيون من خلال مشروع «أنستكس» أن يحدّوا من تلك القنوات والامتيازات قبل المفاوضات، في حين أن الإيرانيين يسعون إلى توسيعها.

إذا كانت هناك مفاوضات مرتقبة فيمكن أن تحصل بين وزيرَي خارجية البلدين


ولا تزال هناك أوراق كثيرة يجب على إيران أن تجمعها قبل بدء أي مفاوضات، أهمها عودة البرنامج النووي إلى ما كان عليه سابقاً، وتثبيت قدرة إيران في المنطقة، والوصول إلى مستويات عسكرية عالية وخاصة في المجال الصاروخي. فإذا ما رجعنا إلى السابق، نرى أن إيران وقعت اتفاقية عام 2005 (معروفة باتفاقية سعد آباد) حين كان لديها حوالى 190 جهاز طرد مركزي، وكانت بالكاد تخصّب حوالى 3.67% من اليورانيوم. وعلى الرغم من أن الطلب الإيراني الوحيد حينها كان إعطاء إيران حقها في تخصيب اليورانيوم بحسب الموازين الدولية، فإن الأوروبيين أصرّوا على إقفال جميع المنشآت النووية لكي تُظهر إيران حسن نياتها. وبالفعل، أقفلت إيران جميع منشآتها النووية، لكن الأميركيين عرقلوا اتفاقية «سعد آباد» وطلبوا أكثر، ليجلسوا لاحقاً على طاولة مفاوضات مع إيران وهي تمتلك حوالى 20 ألف جهاز طرد مركزي، وتخصّب اليورانيوم بأكثر من 20%، وتنتج البلوتونيوم والماء الثقيل، ولديها تكنولوجيا الدورة النووية بشكل كامل. حينها، اضطر الأميركيون الى أن يرضخوا لإيران النووية، ويقبلوا أن تشغّل 5 آلاف جهاز طرد مركزي، وتخصّب اليورانيوم بنسبة ما دون 5%. إضافة إلى ذلك، فإن إيران دخلت مفاوضات سعد آباد في ظلّ ظروف حصار أميركي من شتى الاتجاهات، فالأميركيون كانوا حينها قد احتلّوا أفغانستان والعراق، وانتشرت جيوشهم في كل المنطقة، في حين أن البرنامج الدفاعي الإيراني، وخصوصاً الصاروخي، كان في بداياته.
وهذه التجربة تؤكد أن الإيرانيين لن يدخلوا أي مفاوضات مستقبلية قبل أن يصلوا إلى مراحل أعلى بكثير مما كان برنامجهم النووي عليه سابقاً، إضافة إلى وضعهم الإقليمي وقدرتهم العسكرية. اليوم، إيران لديها برنامج دفاعي، ولا سيما صاروخي، هو الأكثر تطوراً بين خمس دول كبرى في هذا المجال في العالم، إضافة إلى أن لديها قدرات تكنولوجية في شتى المجالات العلمية تستطيع جمعها مع بعضها البعض، وما تحتاج إليه هو وقت قصير كي تجمع كل هذه الأوراق لكي تكون جاهزة لأي مفاوضات مستقبلية.
يجب أن ننتظر ونرى ما كانت وعود ماكرون التي جعلت روحاني يخرج بهذه الكلمات، وهل هي ستكون في مستوى يجعل الإيرانيين يتراجعون عن خطوتهم التالية المزمع تنفيذها في السادس أو السابع من أيلول المقبل أم لا؟ لكن بالكاد يمكن التصور أن الأوروبيين يستطيعون تنفيذ ما تطلبه إيران من رفع العقوبات وفتح القنوات المصرفية كي توقف خطوتها الجديدة المتمثلة بتعليق بعض تعهداتها في الاتفاق النووي. من جهة أخرى، مصلحة إيران تقتضي أن تقوم بتنفيذ هذه الخطوة قبل أي مفاوضات مستقبلية. لهذا، يمكن القول إننا لا يجب أن نرتقب أي مفاوضات قريبة بين الرئيسين الأميركي والإيراني، وإذا ما كانت هناك مفاوضات مرتقبة يمكن أن تحصل بين وزيري خارجية البلدين، وفي إطار اجتماعات مجموعة الـ«4 + 1» الموقعين على الاتفاق النووي («5 + 1» بلا الولايات المتحدة)، بحضور وزير الخارجية الأميركي كضيف. وبالطبع، فإن إيران لن تقبل حتى بهكذا مفاوضات قبل أن تحصل على امتيازات، أقلّها رفع العقوبات أو بعضها، أو بدء تنفيذ مشروع «أنستكس» وفق ما يريده الإيرانيون وليس وفق ما هو مطروح حالياً. وموضوع لقاء ترامب وروحاني سوف يبقى معلّقاً حتى تحصل إيران على كل الامتيازات التي تطالب بها؛ وهي رفع جميع العقوبات وتنفيذ الولايات المتحدة جميع تعهداتها في الاتفاق النووي من دون الحاجة إلى عودتها إلى هذا الاتفاق.